#adsense

صناعة لبنان

حجم الخط

صناعة لبنان

كلّف القدر اللبنانيين مهمة شاقة. سجنهم في بقعة صغيرة وطالبهم بالتعايش. والمهمة ليست يسيرة. وجاءت مقادير التركيبة اللبنانية صعبة. لا أكثرية واضحة. ولا يمكن اختصار البلاد بلون واحد أو فكرة وحيدة. لا يمكن اختصارها بطائفة أو حزب. وكلما استشعر فريق تحسناً في أسهمه في البورصة السكانية جاءت التركيبة تذكّره بأنه لا يزال أقلية اذا انفرد وحاول فرض لونه على الآخرين.

كلّف القدر اللبنانيين مهمة شاقة. شطب الآخر اسهل من التفاهم معه. لكن خيار الشطب انتحاري. تنتصر في معركة ثم تكتشف انك خسرت الحرب. خسرتها لأن انتصارك بدا، وربما من دون قصد، شبيهاً بمحاولة لاغتيال معنى لبنان. محاولة لاغتيال مبررات وجوده وبقائه. انتزع بشير الجميل في 1982 رئاسة الجمهورية. اكتشف في لحظة انتصاره ان رقصة التانغو تحتاج الى اثنين. وانتصر وليد جنبلاط في "حرب الجبل" في 1983 ثم اكتشف ما اكتشفه بشير من قبله.

المهمة شاقة فعلاً. الطلاق مستحيل. وشروط السعادة الزوجية غير متوافرة دائما. وهذا العقد الإلزامي بالتعايش يحتاج الى صيانة دائمة. عليك ان تسبح وتنجو من دون اغراق الآخرين. ان تدافع عن مصالحك من دون التفريط بمصالحهم. ان تحافظ على لونك من دون مسح ألوانهم. ان تردد أغانيك بحرية من دون أن تشوش على أغانيهم. ان تستند الى التاريخ من دون أن تحوّله عبوة ناسفة. وأن ترقص مع الجغرافيا من دون أن تغل يديك. وأن تقرأ في كتابك. وتحترم حق جارك في القراءة في كتابه.

تقيم هذه التركيبة الدقيقة الدائمة الهشاشة على خط الزلازل. النزاع العربي – الاسرائيلي. جاذبية اللون الواحد الذي يعفي من اسئلة حقيقية. مدارس الصوت الواحد والحقيقة الرسمية التي لا يتسع صدرها لسؤال. غياب الشروط التي تساعد على نمو عشبة غريبة اسمها الديموقراطية وفكرة شريرة اسمها قبول الآخر في رحاب المساواة ودولة القانون والمؤسسات. انظمة قلقة ومتوترة تربكها اي نافذة مفتوحة. تناحر طائفي ومذهبي ساهم غزو العراق في ايقاظ ناره وصب الزيت عليها. في هذا الاطار الصعب كلف القدر اللبنانيين بصناعة وطنهم ودولتهم.

يشكل لبنان امتحانا دائما لتلك العائلات التي سجنها القدر في تلك البقعة الجميلة والصغيرة. انه امر منهك فعلا ان يظل الوطن قيد التأسيس. وان يحتاج باستمرار الى اقوياء حكماء. والمؤلم ان الزعماء لا يتحولون اقوياء الا بعد صعودهم المدوي في طوائفهم وعلى حساب المقادير الدقيقة لوجبة التعايش. الاقوياء فقط يخيفون. الحكماء فقط لا يطمئنون. واقتران القوة بالحكمة ليس يسيرا وان كان غير مستحيل ويحتاج الى تجارب باهظة.

كلما فكرت في مستقبل لبنان تحضر امامي صورة رجلين. السيد حسن نصرالله والنائب سعد الحريري. زعامة الرجلين في طائفتيهما محسومة وتتعدى احيانا حدود الطائفة. يمكن القول إن كلاً منهما يستحق صفة اللاعب الاقليمي ولو من منطلقات مختلفة. تقع عليهما اليوم مهمة استثنائية. تأكيد قدرة اللبنانيين على استئناف محاولة صناعة وطن يتسع لكل مكوناته. واضطلاعهما بهذا الدور يعني ان يعيد لبنان اطلاق موجة السباحة ضد تيار الفتنة الشيعية – السنية.

اضطلاع الزعيمين بدور بهذه الاهمية والخطورة يلزمهما باتخاذ قرارات تاريخية. الخروج من جروح التاريخ والخروج من جروح البارحة واللقاء في رحاب معنى لبنان القائم على الاعتدال ولغة منتصف الطريق. وببساطة يمكن القول إن ضياع لبنان يضيع انجازات المقاومة ويجعل ترسانتها بلا معنى. وان ضياع لبنان يضيع الحقيقة حتى لو توصلت إليها لجنة التحقيق الدولية. والعودة الى ترميم الحقائق اللبنانية لا تعني مطلقا الانقلاب او التنكر. انها تعني اعادة لبنان لانه حاجة لبنانية وعربية.

كنت اتمنى ان يعقد لقاء من هذا النوع في منزل العماد ميشال عون وبمبادرة منه. لا يحق للمسيحيين اللبنانيين ان يكونوا اقل من دورهم المفترض في صناعة لبنان. لا اعرف لماذا تنازل عن دور تاريخي بهذا الحجم. لا مرارات عدم الوصول الى قصر بعبدا تبرّر. ولا التطلع الى حصد المقاعد النيابية يبرّر. كان في استطاعته توظيف موقعه الجديد داخليا واقليميا للمشاركة في صناعة لبنان. لم يكن مضطرا الى نبش قبور الحرب وكأنه كان في السويد خلال ويلاتها. ولم يكن مضطرا الى خسارة قدرته على التحدث الى الجميع في حين يحرص حلفاؤه على استرجاعها. ولم يكن مضطرا الى شن حملات توتر العلاقات داخل نادي العائلات اللبنانية. ولا الى الإدلاء بتصريحات تتناسى مصالح اللبنانيين في الداخل والخارج. هذه المواقف لا تليق بزعيم مثلك يمتلك صفة تمثيلية لا يمكن انكارها. اذا كانت هذه الاخطاء ثمرة نصائح مستشاريك اطردهم او امنحهم اجازة. لا يجوز ان يسجل التاريخ ان الزعماء الموارنة استنكفوا عن المشاركة في صناعة الوطن للتفرغ لمشاحناتهم وانهم لم يجتمعوا الا متأخرين لالتقاط صورة تذكارية عند المرفأ وكانت المناسبة المشاركة في وداع الموارنة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل