#adsense

حياد لبنان اليوم قبل الغد

حجم الخط

إذا كانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تخشى إعلان الحياد، أقلّه في المفهوم السياسي، فلأنها تخشى أن تسمّي الأمور بأسمائها الحقيقية، على شاكلة ما فعلته في بيانها الوزاري عندما أقرّت بأنها ستحترم القرارات الدولية "مبدئياً "، وكأنّ للدولة العضو في المنظمة الدولية سلطة استنسابية في تنفيذ القرارات وتطبيق القواعد الدولية الآمرة التي لها طابع إلزامي Un pouvoir discrétionnaire d'appliquer les règles internationales impératives (jus cogens).

إذ لا يجوز للبيان الوزاري أن يتعارض مع أحكام الدستور الذي تنصّ الفقرة "ب" من مقدّمته: "على أن لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمـم المتحـدة وملتـزم مواثيقهـا…" وعليه لا يكون الالتزام مبدئياً (أي أن المعني به مخيّر بين تنفيذه أو عدم تنفيذه)، بل إن الالتزام يكون قطعياً.

وبين ماضي لبنان الحافل بتأثّر بيئته بدول قريبة أو بعيدة، وسياسات عهود وحكومات اختارت مساراً معلقاً لدى هذه أو تلك من الدول، تطرح فكرة الحياد وضعية قانونية ضرورية للبنان لإخراجه من دائرة التجاذب الإقليمي والدولي.

ويتخذ الحياد شكلين: إما أن يكون دائماً أو مؤقتاً، فالحياد الدائم هو وضع قانوني تتعهد فيه الدولة مع غيرها من الدول عدم دخول أي حرب. ويتم ذلك بتوقيع معاهدة تعتبر فيها الدول ضامناً لهذا الحياد.

أما الحياد الموقت فهو موقف تتبناه الدولة إزاء حرب معينة، فتعلن عدم اشتراكها في الحرب القائمة وتحتفظ بعلاقاتها مع كل من الفريقين المتحاربين.

وإذا كان هناك من يعارض مفهوم الحياد معتبراً أنه لا يمكن سلخ لبنان عن بيئته الإقليمية والشرق أوسطية، فلا يجوز أن يسلخ لبنان عن العالم العربي، في حين أنه البلد الأضعف بين هذه الدول والأكثر تماساً مع أماكن الاشتباكات في العالم العربي مع إسرائيل، والأكثر تأثراً بالتجاذبات العربية (سوريا، مصر، المملكة العربية السعودية، إلخ، إضافة إلى سواها من دول تحاول أن تنافس بعضها لتجد لها موطىء قدم في لبنان مؤخراً كالتنافس التركي – الإيراني في لبنان والعالم العربي).

وإذا كان بعضهم يبرّر عدم جدوى الحياد من الناحية العملية لأن الدول المتحاربة لا تقيم وزناً لحياد الدول، وأن الأضرار التي قد تصيبها لا تقل أحياناً عن أضرار الدول المتحاربة. وهذا صحيح إذ إن ما هو جارٍ اليوم في سوريا، على سبيل المثال، لم يمنع قوات النظام من الاعتداء على لبنان، وربما استخدام الأراضي اللبنانية ممرّاً لمساعدة الثوار في سوريا على رغم من إعلان الحكومة أنها تنأى بنفسها نظرياً عما يحصل هناك.

لكن، في المقابل، فإن الدول القوية استطاعت دائماً أن تفرض احترام الدول لحيادها. أما ما يُضعف لبنان في الوصول لتحقيق هذه الغايات، فهو تعدّد الانقسامات الداخلية وتعدّد أشكال مفهوم الانتماء للوطن، هل يشمل هذا الأمر أولوية الانتماء إلى الدولة اللبنانية أو إلى دولة أخرى. وإن اختلاف مفهوم الانتماء قد يكون كذلك لدى الأفراد أو لدى الأحزاب والجماعات، ولنأخذ أمثلة في هذا الصدد على صعيد الأشخاص، إذ فضّل مثلاً الوزير السابق ميشال سماحة النظام السوري على الدولة اللبنانية التي تمنحه هوية وانتماء إلى دولة يفترض أن ينتمي أبناؤها إلى علَمها ودستورها وقوانينها وتقاليدها وأعرافها ونضالات أجدادنا. ناهيك عن السيادة والكرامة والنظرة إلى الاحتلال الذي يضيع بين نظرة الفارسي ونظرة العربي.

هكذا ضاعت تضحيات أجدادنا الذين أورثونا وطناً جعلناه شركة مدينة لهذه أو تلك من الدول، ويتقاسم تفليستها الداخل والخارج، بدلاً من تطوير هذا الوطن ليصبح دولة حديثة قوية وقادرة على فرض حمايتها بنفسها، لا أن يتم الاعتداء عليها جنوباً وشمالاً من دون أن تتمكن من الدفاع عن نفسها أو فرض حيادها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن بعض الدول التي تعتمد الحياد في إطار علاقاتها بالمجتمع الدولي، فإنها بنَت لها في المقابل جيشاً قوياً يستطيع أن يفرض حيادها على الدول المجاورة.

أما في لبنان فإن رسائل إيران تصل إلى إسرائيل من الداخل اللبناني من خلال "حزب الله"، وفي الشمال والبقاع تصلنا رسائل النظام السوري على رغم من خروج قواته المحتلة من لبنان، وقد وصلتنا متفجراته منذ عشرات السنين من دون أن تتعظ الدولة اللبنانية (شعباً وأرضاً ومؤسسات حكومية) بوجوب بناء جيش يحمي لبنان وعدم انتظار حماية أحد من الداخل والخارج.

ولكي لا يبقى لبنان فريسة الرياح الشرقية والغربية وضعف انتماء بعض أبنائه إليه، تعالوا ننشد للبنان وضعاً قانونياً في إطار علاقته مع المجتمع الدولي يجنّبه الويلات والمصائب، ويحرّر الأجيال القادمة من عبء ارتباطاتنا التاريخية بأبعادها الدينية والطائفية والإتنية المبنية على فكرة الحماية، هذه الارتباطات التي لم تجلب للبنان إلا البؤس والفوضى والألم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل