يحتاج الأمر إلى اعتذار كبير على هذا التغيّب القسري الصحي، والذي تأخر عشرة أيام عن موعد عودتي لمزاولة الكتابة، ولكن انتكاسة طارئة حالت دون ذلك، وبما أن الأيام متصلة على منوال واحد في لبنان وعربياً وإقليمياً، فالدخول في صلب الموضوع أولى…
«الجعدنة»، تملأ الفضاء اللبناني، فراغ بل قحط سياسي يضرب لبنان، وهذا «الهوّ» المخيف الذي يمتد مترامياً كأنه صحراء لا تنتهي لا يملؤه إلا «ترهات» متكررة تحصى فيما بات يُعرف خطابات أمين عام حزب الله حسن نصر الله، فان يغيب كاتب يومي ما يقارب الشهر ـ قسراً ـ ويعود ليجد الحياة السياسية اللبنانية راكدة كالأوحال، تنام وتصحو على خطابات حسن نصر الله، «الجندي» في جيش ولاية الفقيه الغارق في الترويج للمشروع الإيراني المذهبي [ظاهراً]، العنصري العربي الفارسي [باطناً]، أليس هذا ما يُصطلح على تسميته بالمحكية اللبنانية:»الجعدنة»؟!
وبصرف النظر عن كلّ ما تضمنه الخطاب العاشورائي لأمين عام حزب الله، تظل نقطة واحدة ناتئة تمزّق كلّ الحياكة المنمقّة التي لفّ بها خطابه، الهمّ الإيراني، هو الباعث الأول والأخير، والهاجس الأول والأخير، والهدف الأول والأخير، أليس بمحزنٍ أن يكون بلد بأمه وأبيه وشعبه، وطائفة من طوائفة رهينة المشروع الفارسي المخيف للمنطقة العربية، هو نفسه هذا المشروع عمره من زمن خدعة الكذاب «المختار الثقفي» رجل الفتنة الكبرى ومحيي السبئيّة بعد اندثارها، ولطالما فسر رجال العلم وحملوا الحديث الشريف الذي رواه الترمذي في سننه «في ثقيف كذاب ومبير» بأن الكذاب المختار الثقفي والمبير الحجاج بن يوسف الثقفي»، والحبل الفارسي ما زال على الجرار يختبئ وراء تلك اللحظة الحسينية الشريفة «هيهات منا الذلّة» وادّعاء استرداد حقّ آل البيت في الحكم، أي حبٍّ هذا غايته سياسية محضة، ومن هم آل البيت اليوم الذين سيستلمون دفّة حكم تلهث فارس رافعة حجته؟! لا أحد غريب، سيستلمه مرشد الجمهورية علي الخامنئي «القائد» ليحكم العالم العربي والإسلامي، والسموات والأرض ربما!!
قرّر حسن نصر الله «أن يزيد هذا العصر، الذي يجب أن نواجهه كربلائيا وحسينياً وزينبياً، هو المشروع الأميركي ـ الصهيوني»، طبعاً لا نحتاج هنا إلى تذكيره بالعراق تحديداً ما دامت مصر على الكربلائية التي تعاونت وتعاملت بفتاوى دينية مع «يزيد العصر الأميركي ـ الصهيوني»!!
النقطة الحقيقية التي ارتكز عليها خطاب نصر الله هي محاولة تبييض صورة إيران السوداء في العين العربية فقد انكشف وجهها القميء وجهودها في زعزعة استقرار المنطقة ومحاولاتها المستميتة لزرع التشيّع من سوريا إلى مصر إلى السودان، إيران تحتل المرتبة الأولى في الخدمات لإسرائيل تدمير استقرار المنطقة والتدخل في شؤون الدول حتى إسرائيل لم تنجح ولم تجرؤ على تنفيذه بهذا الشكل الفاضح، ولم ينس نصر الله القول: «إنني هنا أحذر على امتداد العالمين العربي والإسلامي، من خطورة تحويل الأصدقاء إلى أعداء، والأعداء إلى أصدقاء، هناك من يعمد في العالم العربي والإسلامي سياسيا وإعلاميا وتعبويا، ليقدم إسرائيل صديقا، وليقدم إيران عدواً»!!
حان الوقت لقراءة متأنية في الدور الإيراني الذي نما وترعرع في لبنان ومن على أراضيه تم تصدير عماد مغنية إلى الكويت ليختطف طائراتها ومصطفى بدر الدين لينفذ تفجيراتها الإرهابيّة، وإلى تفجيرات البحرين، وتفجيرات السعودية، وحروب اليمن، وإلى كلّ بقعة في العالم العربي فيها أقلية شيعيّة تريد إيران أن تجعلها حصان طروادة تعود عبره إمبراطوريتها الفارسية من بوابتها الدمشقية ـ اللبنانية، عملياً: قد يكون هذا هو الخطاب الأخير لأمين عام حزب الله الذي يلقيه بهذا التوجه من عيار الممانعة والمقاومة، فبشّار حليفه على حافة السقوط، والسياسة علمتنا أن كلّ ديكتاتور يسقط عن عرشه تسقط معه عدّة الشغل التي سلّطها على رقاب الشعوب، كلّ هؤلاء على وشك اللحاق ببشار الأسد، لذا سيظل الفضاء السياسي اللبناني مليء بالـ «جعدنة»، في انتظار إعلان انتصار الثورة السورية وهزيمة المشروع الإيراني وأدواته وعدّة شغله في لبنان ودول أخرى.