لا يفعل الحدث المصري العليل إلا تأكيد الوضع الصحّي الممتاز للربيع العربي!
والأمر في أساسه يحمل مفارقة لافتة. حيث إن سلبية الحراك المصري الراهن، الكاشف عن مواجهة انقسامية كبيرة بين القوى الوارثة للنظام السابق، تحمل وفي الوقت نفسه إيجابية إعادة تأكيد المسلّمة الأولى التي قالت سابقاً وتقول راهناً إن الثورات العربية لم تقم لتستبدل طغياناً بطغيان ولا استبداداً باستبداد ولا ديكتاتورية واضحة بأخرى مموّهة.
خلاصة فحوى "النقاش" الذي فُتح منذ اللحظات الأولى لانطلاق التحرك التونسي وبعده المصري باتجاه إطاحة نظامي الحكم في البلدين، كانت تلحظ قناعة أطلقت في وجه المحاججين المدّعين والمروّجين لما سُمي المخاوف من سيطرة بدائل ظلامية عن "أنظمة التنوير" المهيضة.. وتلك القناعة ثبت ويثبت صوابها في القاهرة اليوم وفي تونس بالأمس وغداً(؟): من انطلق لمواكبة العصر باعتباره صنو الحرية الاقتصادية والسياسية والفكرية، وما ينتج عن ذلك حُكماً لجهة تداول السلطة وردّ الاعتبار للدساتير والقوانين ومفردات القضاء والثواب والعقاب والحساب والفصل بين السلطات وبين الملك الخاص والمشاع العام.. من فعل ذلك كله في وجه ديكتاتوريات مكتملة وراسخة ومتجذّرة ولم يسأل عن الأثمان والتبعات، لن يتردد في أي لحظة في مواجهة مشاريع لم تكتمل لديكتاتوريات ممسوخة يطمح أهلها وأصحابها الى إكمالها وترسيخها.
.. الربيع العربي بهذا المعنى صحوة جاءت بعد غفوة طالت.. وبغض النظر عن "هوية" الحاكم وطبيعة نظامه وبرنامجه وآلته وذخيرته وعدّته الأمنية والسياسية والإعلامية والتنظيمية، فإن تضاده وتعارضه مع معطى الحرية بكل أبعادها، هو سبب كاف بذاته للانطلاق الى مواجهته وإزاحته. وفي ذلك لا يختلف محمد مرسي عن حسني مبارك. وما كان ليختلف أمر أحمد شفيق، لو انتخب، عن الإثنين. تماماً مثلما لم يختلف شأن المجلس العسكري عن النظام الذي سقط.
القانون نفسه سرى على ثلاثة أنماط سلطوية في أقل من عامين. أولاً مع مبارك، وثانياً مع المجلس العسكري، وثالثاً وراهناً مع محمد مرسي ومِنْ خلفه تنظيم "الإخوان المسلمين".. وحالة الأخير أكثر مدعاة للتبصّر. إذ إن آلية السقوط تشبه رقصة الفالس التي تحتاج الى عنصرين حاسمين لإتمامها: التحرك الجماهيري انطلق بدينامية ذاتية، لكنه انتصر بفعل أخطاء خصمه بقدر استناده الى محفّزاته الخاصة! والغريب، أن "الإخوان" يتناسون ذلك. أو ربما بدأوا الافتراض أن ما صعب على غيرهم يهون عندهم. وخطأهم الجارح (وليس القاتل بعد!) هو عودتهم الى المربّع الأول للطغاة السابقين، أي البناء على معطيات خارجية لتوظيفها داخلياً. وكأن "القبول" الأميركي والغربي بهم والنجاح في "إدارة" هوامش الحرب الأخيرة على غزة، والتعامل بحرفية وذكاء مع قضايا المنطقة وإدارة العلاقات الدولية… كل ذلك يبرّر الانقضاض في الداخل بطريقة تنمّ عن نيّات استئثارية واضحة.
قصّة غريبة وحزينة، لكنها على سوداويتها وأخطارها تدلّ من بداية الطريق الى بداية البيان: الربيع العربي لم يكن شطحة عشوائية في ليل إنما مراس تحوّلي كبير وجذري وتاريخي. وهو دائم ومستمر أياً كانت طبيعة الشتاء المقابل!