الإثنين بعد أحد زيارة العذراء لإليصابات
قراءَةٌ منْ وثائقِ المجمعِ الفاتيكانيِّ الثَّاني المسكونيِّ مريمُ في البشارَة (دستور عقائدي في الكنيسة، 56)
لقد حسنَ لدى أَبِ النِّعمِ أَنْ يسبقَ التَّجسُّدَ رضىً منْ قبلِ هٰذهِ الأُمِّ المنتخبَة، حتَّى أَنَّهُ كما ساهمتِ ٱمرأَةٌ بعملِ المَوت، تُساهمُ أَيضًا ٱمرأَةٌ بٱلحياة. وهٰذا ما يصحُّ بنوعٍ غريبٍ في أُمِّ يسوعَ الَّتي أَعطتِ العالمَ الحياة، حياةً منها تجدَّدَ كلُّ شيء، وقد حبَاها اللهُ نعمًا على مستوى مَهمَّةٍ عظمى كهٰذهِ.
وبٱلتَّالي فليسَ منَ الغرابةِ بأَمرٍ، أَنْ تكونَ راسخةً العادةُ المتَّبعةُ عندَ الآباءِ القدِّيسينَ أَن يدعُوا أُمَّ اللهِ كلِّيَّةَ القداسةِ وبريئةً منْ كلِّ دنسِ الخطيئة، وكأَنَّ الرُّوحَ القدسَ قد جبَلَها وجعلَ منها خليقةً جديدة. وقد زهتْ عذراءُ النَّاصرَة، منذُ اللَّحظةِ الأُولى للحبلِ بها، بقداسةٍ وهَّاجةٍ وفريدةٍ جدًّا، فحيَّاها ملاكُ البشارةِ المنتدبُ من اللهِ كممتلئةٍ نعمة. فأَجابتِ البشيرَ السَّماويَّ: ها أَنذا أَمَةُ الرَّبَ، فليكنْ لي حسبَ قولِكَ. وهٰكذا وقدْ أَعرَبَتْ مريم، بنتُ آدم، عن قبولِها كلمةَ الله، أَصبحتْ بذٰلكَ أُمَّ يسوعَ وقد تجاوبتْ بملءِ رضاها وإِرادةَ اللهِ الخلاصيَّةَ دونَ أَن تُعيقَها أَيَّةُ وصمةِ خطيئة، بتقديمِ ذاتِها كأَمةِ الرَّبِ لشخصِ ٱبنِها وعملهِ، لتُسهمَ معهُ وتحتَ أَمرهِ بسرِّ الخلاصِ وذٰلكَ بنعمةِ اللهِ القدير. وهٰكذا يعتبرُ الآباءُ القدِّيسونَ بحقٍّ أَنَّ مريمَ لم تُسهمْ في خلاصِ البشرِ كأَداةٍ سلبيَّةٍ بينَ يدي اللهِ فقط، وإِنَّما بحرِّيَّةِ إِيمانِها وطاعتِها. وبٱلفعلِ هي نفسُها بطاعتِها، على حسبِ قولِ القدِّيسِ إِيريناوس "قد غدتْ سببَ خلاصٍ لذاتها وللجنسِ البشريِّ بأَجمعهِ". ولقد عبَّرَ عنْ ذٰلكَ معهُ وبرضىً عددٌ غفيرٌ منْ آباءِ الكنيسةِ الأَوَّلينَ في مواعظهِم إِذ قالوا: "إِنَّ العُقدَةَ الَّتي سبَّبها عُصيانُ حوَّاء، حلَّتْ بطاعةِ مريم؛ وما ربطتْهُ العذراءُ حوَّاءُ بقلَّةِ إِيمانِها، حلَّتْهُ مريمُ العذراءُ بإِيمانِها"؛ ويمقارنتهِمْ مريمَ بحوَّاء، يُسمُّونَ مريمَ "أُمِّ الأَحياء"؛ ويصرِّحونَ مرارًا "على يدِ حوَّاءَ كانَ الموت، وبمريمَ كانتِ الحياة".
الرّسالة: أف 1: 15-23
فعل شكر وصلاة وطلب
15 فلذٰلكَ أنا أيضًا، وقد سمعتُ بإيمانكم بٱلرّبّ يسوع، ومحبّتكم لجميعِ الإخوة القدّيسين،
16 لا أزالُ أشكرُ الله من أجلكم، وأذكركم في صلواتي،
17 ليُعطيَكم إلٰهُ ربّنا يسوعَ المسيح، أبو المجد، روحَ الحكمةِ والوحي في معرفتكم لهُ،
18 فينيرَ عيونَ قلوبكم، لتعلموا ما هو رجاءُ دعوتهِ، وما هو غنى مجدِ ميراثه في القدّيسين،
19 وما هي عظمةُ قدرتهِ الفائقةِ من أجلنا، نحنُ المؤمنين، بحسبِ عملِ عزّةِ قوّته،
20 الّذي عملهُ في المسيح، إذ أقامهُ من بينِ الأموات، وأجلسهُ إلى يمينه في السّماوات،
21 فوقَ كلّ رئاسةٍ وسلطانٍ وقوّةٍ وسيادة، وكلّ ٱسمٍ مُسمّى، لا في هٰذا الدّهر وحسب، بل في الآتي أيضًا،
22 وأخضعَ كلّ شيء تحتَ قدَميه، وجعلهُ فوقَ كلّ شيء، رأسًا للكنيسة،
23 وهي جسدهُ وملؤهُ، هو الّذي يملأُ الكلّ في الكلّ.
شرح آيات الرّسالة:
15 قول 1/4-9؛ ف 4-5؛ 1 قور 13/13؛ رسل 9/13.
ومحبتّكم: تُثبتها مخطوطات كبرى قديمة، وعموم التّرجمات القديمة، والآباء الأقدمون (قول 1/4). ويُهملها البرديّ 46، والمجلّد السّينائيّ والفاتيكانيّ والإسكندريّ وبضع مخطوطات كبرى قديمة.
القدّيسين: هم المعمَّدون، شعب الله الجديد (1/1). يرى شُرّاح أنّهم المهتدون من اليهود، بقيّة شعب الله القديم (روم 15/25)، وقد ٱنضمّ إليهم المهتدون من الأمم (أف 1/12-13؛ روم 15/25). تعمّمت، في الرّسالتين إلى أفسس وقولسّي، تسمية المسيحيّين بـ "قدّيسين"، بدل "الإخوة". ويرى آخرون، وفق الجوّ العامّ السّماويّ للرّسالة، وعلاقتها بٱلفكر المعاصر، وخصوصًا القمرانيّ، أنّ "القدّيسين" تعني الملائكة، أهل السّماء. (1/18؛ قول 1/12).
16 قول 1/3؛ 1 تس 1/2.
17 أف 3/14-19؛ خر 24/16؛ آش 11/2؛ حك 7/7؛ 1 قور 2/10؛ 1 يو 5/20.
18 مز 13/4؛ 19/9؛ 2 قور 4/4-6؛ أف 4/4؛ قول 1/5، 27؛ 1/12؛ تث 33/3، 4؛ حك 5/5؛ رسل 20/32؛ 9/13.
19 قول 2/12؛ 2 قور 13/4؛ أف 3/20؛ روم 8/11؛ 1 قور 6/14؛ فل 3/10؛ روم 1/4.
في هٰذه الآية مجموعة مكثَّفة من ألفاظ: "عظمة فائقة، عزّة، قدرة، قوّة"، كلّها تعبّر عن "غنى مجد ميراث" الله (1/18)، وفعاليّة عملِ الله في التّاريخ، عمل تجلّى في حدث قيامة الرّبّ يسوع من بين الأموات (1/20)، وهو غنى لا يُقاس ولا يُحدّ!
20-23 لنا في هٰذه الآيات تعبير مميّز عن إيمان الكنيسة الأولى، لا يذكر موت يسوع المسيح صريحًا، بل يشدّد على حدث القيامة، فٱلجلوس عن يمين الله، فتسلّم السّلطة المطلقة على الخلق أجمع. يمتاز هٰذا التّعبير بٱلآيات المزموريّة التّقليديّة (مز 110/1؛ 8/7)، والصّوَر الرّؤيويّة الكتابيّة، وتصوّرات أخرى معاصرة يهوديّة ويونانيّة للمراتب الملائكيّة.
20 مز 110/1؛ متّى 22/44؛ مر 16/19؛ رسل 2/34؛ عب 1/3؛ 8/1؛ 10/12؛ 12/2؛ رسل 2/33.
21 1 بط 3/22؛ قول 1/15-20؛ 2/10، 15؛ 1 قور 15/24-25؛ فل 2/9؛ عب 1/3-4؛ متّى 28/18.
رئاسة وسلطان وقوّة وسيادة: أسماء كائنات روحيّة كونيّة، وردت في الأدب اليهوديّ المنحول، والأدب الغنوسيّ. لها سلطة على الفلك والمياه والنّار والشّعوب، وهي تشارك في النّظام الطّبيعيّ والرّوحيّ. ذكرها بولس مرارًا في رسائله (1 قور 15/24؛ روم 8/38-39؛ قول 1/16؛ 2/10، 15؛ غل 4/3؛ أف 3/10؛ 6/12)، وما تساءل مرّة عن مدى حقيقة وجودها. رآها تلعب دورًا في إعطاء الشّريعة لموسى (غل 3/19)، ودورًا آخر سلبيًّا في تاريخ الخلاص (غل 4/3؛ قول 2/15)، فٱعتبرها أخيرًا قوى شيطانيّة شرّيرة (أف 2/2؛ 6/12؛ 1 قور 15/24). لذٰلك يركّز هنا على سلطان المسيح القائم من الموت، وسيادته المطلقة على جميع تلك الكائنات (قول 1/16؛ 2/10؛ فل 2/10-11؛ 1 بط 3/22).
22 مز 8/7؛ قول 1/18؛ أف 4/15.
24 أف 4/10؛ قول 1/19؛ يو 17/21-23.
وملؤه، هو الّذي يملأ الكلّ في الكلّ: ترجمة أخرى ممكنة "ملء المملوء من الكلّ في الكلّ". توسّع هٰذه الآية دور المسيح وسلطانه من نطاق الكنيسة إلى مدى الكون بأسره.
وملؤه هو الّذي يملأ الكلّ: يدعو بولس الكنيسة "ملء" المسيح (أف 3/19؛ 4/13؛ قول 1/19)، لأنّها جسده السّرّيّ (1 قور 12/12)، تضمّ كلّ الخلق الجديد الخاضع للمسيح "مالئ الكلّ"، لأنّ الكنيسة تمتلئ منه حياة إلٰهيّة، ثم تفيضها على الكون أجمع. فٱلكنيسة معصومة من سلطان جميع القوى الأخرى غير المسيح رأسها الأوحد.
ملء الملوء من الكلّ: في التّرجمة الأخرى الممكنة لغويًّا، في الأصل اليونانيّ، المسيح نفسه يمتلئ من الآب، مصدر الحياة الإلٰهيّة (قول 2/9-10)، ويملأ الكنيسة، والكنيسة تملأ العالم، كما يرى الإنجيليّ يوحنّا: الآب في ابن، وابن في التّلاميذ، والتّلاميذ في العالم (17/11، 20-26)،
الكلّ في الكلّ: تعبير مألوف يعني الشّمول بغير حدود (1 قور 12/6؛ 15/28؛ قول 3/11).
الإنجيل
لو 1: 46-56
نشيد مريم
46 فقالتْ مريم: "تُعظّمُ نفسيَ الرّبّ،
47 وتبتهجُ روحي بالله مُخلّصي،
48 لأنّه نظرَ إلى تواضعِ أمتهِ. فها منذُ الآن تُطوّبني جميعُ الأجيال،
49 لأنّ القديرَ صنعَ بي عظائم، وٱسمهُ قدُّوس،
50 ورحمتهُ إلى أجيالٍ وأجيالٍ للّذينَ يتّقونه.
51 صنعَ عزًّا بساعدهِ، وشتّتَ المُتكبرينَ بأفكارِ قلوبهم.
52 أنزلَ المُقتدرين عنِ العروش، ورفعَ المتواضعين.
53 أشبعَ الجياعَ خيراتٍ، وصرفَ الأغنياءَ فارغين.
54 عضدَ إسرائيل فتاهُ ذاكرًا رحمتهُ
55 لإبراهيمَ ونسله إلى الأبد، كما كلّم آباءنا".
56 ومكثت مريمُ عندَ إليصاباتَ نحو ثلاثةِ أشهر، ثم عادت إلى بيتها.
شرح آيات الإنجيل:
46-55 1 صم 2/1-10؛ آش 29/19.
نشيد مريم: يذكّر نشيد مريم أمّ يسوع بنشيد حنّة أمّ صموئيل (1 صم 2/1-10)، وبأقوال مماثلة في العهد القديم (صف 2/3-4؛ مز 103؛ تث 7/6؛ تك 15/1؛ 17/1). يرى شرّاح أنّ لوقا أخذ هٰذا النّشيد عن الجماعة المسيحيّة الأولى في أورشليم، وزاد عليه الآية 48، صدى الآيتين (38، 45)، ووضعه على لسان العذراء تعبيرًا عن شكرها (46-50)، وعن شكر الجماعة المسيحيّة كلّها، ممثَّلةً بمريم (51-55)، لأنّ الله قد حقّق فيها مواعيده وعهده الأبديّ. ويرى شرّاح آخرون أنّ لوقا نقل نشيدًا يهوديًّا تنشده ٱبنةُ صهيون، عروسُ الرّبّ، الّتي أذلّها الرّبّ ٱمتحانًا لها، ثمّ رفعها وجعلها أمًّا لجماعة الله، الّتي تنتظر المسيح المخلّص (آش 54/1، 66/7-12؛ مي 4/10؛ إر 4/31)، بل جعلها أمّا للمسيح نفسه (آش 7/14؛ مي 5/1-2).
46 1 صم 2/1؛ مز 34/4؛ 69/31.
قالت مريم: لا "إليصابات"، كما ورد في مخطوطات لاتينيّة.
47 حب 3/18؛ مز 9/15؛ 13/6؛ 31/8؛ 35/9.
48 1 صم 1/11؛ لو 1/25، 38، 45؛ 11/27؛ مز 31/8؛ سي 11/12؛ تك 30/13.
49 تث 10/21؛ 1 صم 2/2؛ مز 71/19؛ 111/9؛ آش 57/15؛ لو 1/32.
50 مز 103/13، 17؛ 61/6، 7؛ 100/5.
51 مز 89/11؛ 2 صم 22/28.
52 سي 10/14؛ أي 12/19؛ 5/11؛ 1 صم 2/8؛ حز 21/31؛ مز 113/7.
53 1 صم 2/5؛ مز 107/9؛ 34/11.
54 آش 41/8-9؛ مز 98/3؛ 25/6.
55 تك 12/3؛ 13/15؛ 17/7؛ 22/17-18؛ مي 7/20؛ مز 18/51؛ سي 44/22.
رحمته: تراجع كلمة "رحمة" الواردة في الآية 54، وقد زدناها لتبقى الجملة مفهومة، مع مراعاة تقطيع الآيتين 54 و 55.
57 عادت: رجوع مريم إلى بيتها، بعد زيارتها إليصابات، يذكّر برجوع زكريّا إلى بيته بعد خدمته في الهيكل (23).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.