مسيحيو الموصل يدفعون الأثمان
يدفع مسيحيو الموصل، كبرى مدن محافظة نينوى في شمال العراق، ومعهم مسيحيو كركوك والبصرة وبغداد، أثماناً عدة دفعة واحدة:
يدفعون ثمن ضعفهم العددي، خصوصاً بعد تراجع عددهم من قرابة مليون عند سقوط نظام صدام حسين الى بضع مئات من الآلاف القليلة.
واذا كانت اعتداءات اليوم بحقهم هي الثانية في العصر الحديث، بعد عمليات القتل والتهجير التي تعرضوا لها بين 1959 و1963 عندما أضطرت نحو 30 ألف عائلة الى الهجرة، إلا انها الأخطر بسبب دمويتها، واجتماع عناصر عدة على تطهير أرض العراق من مسيحييه، هم الذين استقبلوا الفتح العربي عام 13 هـ وزوّدوا جيوش الفاتحين بالمؤن، تعبيراً عن غضبهم من الحكم البيزنطي، ومناصرتهم بني قومهم العرب.
ويدفعون ثمن ما ينسب الى حكومة اقليم كردستان من رغبة في ضم سهول نينوى الزراعية الى منطقة الحكم الذاتي، فيما يطالب بعض سكان المنطقة بحكم ذاتي يضمهم مع سائر الأقليات من الشبك والأيزيديين والكاثوليك. كذلك يبدو تهجيرهم بمثابة خدمة لمشروع اقليم كردستان الذي يجاور مناطق سكنهم، بحيث يقدم الاكراد نفسهم بصفتهم اقليم حماية للاقليات الكثيرة (من كلدان وأشوريين وأرمن وصابئة مندائيين وأيزيديين وشبك وكاثوليك).
ويدفعون ثمن لجوء كثيرين من مسلحي "القاعدة" الى مناطقهم، بعد مطاردتهم في سائر مناطق العراق.
ويدفعون ثمن انكفاء (أو تواطؤ) قوات الاحتلال الاميركي عن حمايتهم، تنفيذاً لموجبات اتفاق جنيف الذي يلزم الجانب المحتل حماية المدنيين في مناطق احتلاله.
ويدفعون ثمن "ثرائهم" النسبي، وهم بمعظمهم تجار ورجال أعمال، مما يغري اللصوص وقطاع الطرق باستهدافهم واستهداف أرزاقهم، ومطالبتهم بالخوات المالية.
ويدفعون ثمن انتشار حركات المتشددين الأصوليين الذين راحوا يلزمونهم بدفع الجزية للحفاظ على أرواحهم.
ويدفعون ثمن تراخي المؤسسات الدولية، من أمم متحدة الى هيئات دولية، في الدفاع عن وجودهم وأرزاقهم.
ويدفعون ثمن الغاء المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات العراقية، مما حرمهم نسبة في المقاعد في نينوى وبغداد.
ويدفعون، منذ سنوات، ثمن كل موقف يثير حفيظة الأصوليين: من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة الى الرسول، الى بعض خطب البابا بينيديكتوس السادس عشر ومواقفه.
• • •
أثمان تاريخية وراهنة اجتمعت على اكتاف اقلية مستضعفة تمثل روح العراق الحضاري القديم.
فهل يدرك عقلاء المسلمين، من حكام الى نخب فكرية فالى مراجع دينية، أن صورة الاسلام هي المستهدفة، وهي الضحية، لا مسيحيو الموصل وحدهم؟
وهل يتعلم مسيحيو لبنان، وموارنته أولاً، من تجربة مريرة، أم انهم ماضون في العمى يضرب أبصارهم فتعشى، حتى تذهب ريحهم، ويصبحوا لاجئين في ديار الله الواسعة؟