عن معارك التشهير ومحاذيرها
على نحو مبكر جداً وغير مسبوق بتوقيته في سائر الدورات الانتخابية النيابية السابقة، تحتدم موجة تبادل الاتهامات بين بعض القوى السياسية المتنافسة حول المال السياسي او المال الانتخابي، إن عبر تصريحات مباشرة "من الدرجة الاولى" او ما دونها، أو عبر المواقع الالكترونية المتحولة راجمات اتهامية ملتهبة في مهمة "تحديث" الناخب اللبناني عبر الإنترنت.
ولعل المفارقة الساخرة في هذه الظاهرة انها تدفع قلة نادرة من اللبنانيين، لا تزال تملك زمام السيطرة على عقولها الباردة، الى التساؤل عن جدوى ذلك الجهد المضني والطويل الذي صرفه مجلس النواب لإقران قانون الانتخاب، المولود حديثا بطبل وزمر عظيمين، بما سمي ضمانات على الورق وعبر آليات وهيكليات لمراقبة الانفاق الانتخابي، فيما اندفعت صعودا موجة الاتهامات السافرة بتدفق الخيرات والرشاوى من كل حدب وصوب قبل ان ينشر القانون نفسه في الجريدة الرسمية قبل أسبوع؟
ولعله سهى عن بال المنخرطين باكرا في هذه الموجة أنهم يغامرون من حيث يدرون أو يجهلون في فتح السوق والبازار على ما قد يصيبهم لاحقا بما أصاب "نمور" المال في العالم من مصارف ضخمة ومؤسسات مالية عملاقة بنار الأزمة المالية المستعرة. ففتح هذا البازار على "مستويات عالية" جدا، وفق الحملات الدعائية الجارية، لن يؤدي في أقل الاحوال إلا الى تحفيز الناخبين اللبنانيين في فئة ضخمة منهم على التعامل مع الدورة الانتخابية المقبلة كمصدر رزق اضافي في زمن انحدار السياسات والقيم وتصاعد الفقر والفساد.
وما دام اللبناني "العادي" يرى تشريعا موصوفا لظاهرة تفلت الانفاق الانتخابي على غاربه على ألسنة لبنانيين "غير عاديين"، فلن تكون النتيجة أقل من مواجهة ناخبين متطلبين بالحاح لتقاضي "ثمن" الواجب الانتخابي من دون أدنى تردد ومن دون أي رادع. فعندما تصبح الظاهرة الناشزة "قاعدة" معممة يغدو السباق الى تقاضي "ثمن" الصوت مقياسا محللا.
وعندما يسمع الناس من نمور سياسيين ان الانتخابات المقبلة ستشهد انفاق أموال على نحو غير مسبوق، فلن يبقى هناك معيار يعلو معيار الافادة الشخصية وتحكيم "الخيار النفعي" المباشر قبل أي معيار آخر.
لعلها ذروة الخطورة في الازدواجية التي يعيشها لبنان في التكيف مع الكذب السياسي السائد ان يحدد قانون الانتخاب 150 مليون ليرة حداً أقصى لنفقات المرشح، فيما تطلق على ألسنة زعماء وقادة ونواب وسياسيين يوميا تقديرات واتهامات بانفاق العشرات والمئات من ملايين الدولارات والمعركة لم تبدأ بعد. ولعلها ذروة الخطورة ان يجري الكلام في هذه المسألة بمنحى "تطبيعي" وتسود الخفة القاتلة على ألسنة لا تعرف معنى الكلام الذي تطلقه والى أين يؤدي. وليست أقل خطورة بطبيعة الحال تلك الخفة والسطحية والاستهانة في اسباغ صفات وألوان "اقليمية" على وجهات التمويل الخارجية وتصوير الامر كأنه تحصيل حاصل من طبائع التركيبة اللبنانية.
"لو كانت" في لبنان دولة لبدأ الحسم من هنا، ولكانت هناك هيئات متفرغة سلفا وجاهزة دوماً لحماية اللبنانيين من هذا الاعتداء السافر الموصوف على كراماتهم من جهة، وحمايتهم من الانزلاق الى "البازار" من جهة أخرى. ولكن كيف يمكن الاقتصاص من سياسة التشهير التي انحدرت الى حيث لم يعد هناك قعر، تارة بشعارات مكافحة الفساد وطورا بشعارات تحفيز القواعد، كل هذا وليس في لبنان مرجعية واحدة تقول للبنانيين أين الصدق من الكذب، والحقيقة من الافتراء!