على رغم الطابع الممعن في الملل والرتابة الذي رافق افتعال فريق سياسي – وزاري تكرارا ضجة حول "داتا" الاتصالات، ثمة ما يستدعي الالتفات الى سليقة تنتهك الاصول بحجة المحافظة على الاصول.
ما يصعب على الفهم في هذه القضية هو ان ينبري فريق في السلطة الى انتهاك سرية مسألة امنية ارهابية من الدرجة الاولى يفترض تحييدها تماما عن الاضواء والنزعة الى التوظيف الشعبوي. وحتى في حال التسليم جدلا بالحق الكامل لهذا الفريق في رفض اي مس بالحريات والخصوصيات، فالامر مندرج تلقائيا في اطار سري ملزم لانه يتعلق بتحقيق جار في اغتيال اللواء وسام الحسن.
تثير هذه النزعة في مقلبها الآخر مسألة الازدواجية الفاقعة واعتماد سياسة الصيف والشتاء على سطح واحد. يصمت الفريق نفسه على كل ما يتناول فريقا حليفا ويقيم الدنيا ولا يقعدها حين يتصيد طلبا لجهاز امني يفترض ان يعالج وفق معايير السرية المطبقة ومن ضمنها مسؤولية الوزراء المعنيين في حماية التحقيق وتوفير المعايير القانونية وكذلك حماية الحريات لمسلك هذا الطلب.
ان مبالغة الاجهزة الامنية في طلبات التوسع في التحقيق، هو أمر مألوف ومعتاد في سائر الدول وحتى الاعرق منها في الديموقراطية. لا يقاس الامر عندنا بما حصل في الولايات المتحدة غداة هجمات 11 ايلول الارهابية. قامت اميركا ولم تقعد آنذاك على تعديل قانون مكافحة الارهاب الذي عد الانتهاك الاوسع في تاريخها للحريات الفردية. لكن اميركيا واحدا لم يعرف يومها سرا واحدا من اسرار ادارة الاجهزة لهذه الازمة. ثم ان الافتعال العلني لمشكلة مع شعبة المعلومات في عز انخراطها في التحقيق في اغتيال رئيسها يضعف تلقائيا الحجة المترفة المتعلقة بالحفاظ على الحريات. بدا الامر كأنه استعادة لتصفية حسابات سياسية وانتهازية. وهو تشكيك يلازم فريق 8 آذار في "لهفته" على الحريات في ظل استهانته المتمادية بواقع التهديد بالاغتيالات الذي يرزح تحته فريق 14 آذار.
واذا كان هذا العامل لا يبرر لفريق المعارضة توجيه الاتهام الآلي لخصوم في ملفات الاغتيال ومحاولات الاغتيال، فانه لا يسوغ اطلاقا لاطراف في 8 آذار الاستهانة بعقول الناس وحمل مشعل الحريات ذريعة من شأنها ان تقيد تحقيقا.
تملك هذه السلطة كل مكونات القدرة على "قوننة" التحقيقات بالكامل ولكنها ملزمة اخلاقيا وقانونيا بكل المعايير توفير كل السبل للتحقيق للذهاب الى الاخر بما فيها معايير السرية التامة. وكل جنوح آخر هو طعن في صدقية السلطة واهليتها في الحفاظ على التوازن بين الحريات وموجبات التحقيق خصوصا متى تبين لها الخطأ الفادح في اخذ ملف ارهابي بجريرة ترف انتخابي فارغ.