سيبقى البطريرك اغناطيوس هزيم، المثلث الرحمات، عظيما بين عظماء البطاركة المسيحيين وآباء الكنيسة الارثوذكسية.
ثقافة البطريرك هزيم أعدته لتبوؤ المسؤوليات الكبرى والتصدر بين المرجعيات، لكنته الخاصة لم تمنعه من تحصيل العلم والثقافة في نوع من التعددية المميزة. اصيل في ثقافته العربية، ومتعمق في الدراسات اللاهوتية بالفرنسية واليونانية، وجامعي مميز باللغة الانكليزية.
تخّرج في الجامعة الاميركية في بيروت عندما كانت في اوج عطاءاتها. تحصيله اللاهوتي في سان سرج في باريس واتقانه لغتي المتنبي وشكسبير، اهّلا هذا اللاهوتي المثقف ليكون حرا بين الاحرار، منفتحا، واثقا، جريئا، وديعا، ثاقب النظر.
لم تكن حركة الشبيبة الارثوذكسية، التي ساهم، مع غيره من كبار الطائفة، في تأسيسها وصقل عقيدتها، ثورة فحسب، انما تحولت من حركة تمردية في البدء الى مدرسة اصلاحية، أنجبت رعيلا مميزا من رجالات الطائفة الارثوذكسية وقياداتها.
أثمر هذا الجنوح نحو الامتياز والتفوق والانوجاد، بعد تولي غبطته السدة البطريركية، اقامة جامعة البلمند، مع ما شهدت من تمدد وتوسع وعمق في الانصهار في بوتقة كورانية وشمالية ولبنانية ومشرقية، حتى بات يحسب لها حساب يقل نظيره. ولا عجب، فالكورة الخضراء تستأهل جامعة كهذه، على مقربة من بيئة مشهود لها بالتحصيل العلمي والثقافي والامتياز… بحيث لم يكن غريبا ان تحيط هذه الجامعة بدير طالما شخصت اليه الانظار، لما اتصف به على مر القرون من تديّن وحرارة ايمان وتعمق في اللاهوت. وجعل البطريرك هزيم من هذا الدير التاريخي قبلة المشرق المسيحي في منطقة هادئة عريقة مثقفة مطلة على البحر والجبال في آن معا.
اما اللبنانيون، فكانوا يدركون ان هذا البطريرك العظيم كان له عشق آخر الى جانب اللاهوت، انه لبنان. بقي لبنان في قلبه وفي عروقه وفي عقله، كأنه الصخرة القوية التي ينظر اليها كل المسيحيين المشرقيين. ليس لأن لبنان هو وطن الثقافة واللغات والعلم والمعلومات والصحافة والطبابة والمال فحسب، بل لأنه، اولا واخيرا، امبراطورية الحريات في هذا الشرق المعذّب حيث تتضارب كل الضرورات، وحيث تستقر التناقضات، فنتجاوزها ونجعل منها قيمة حضارية نادرة.
عرفته عندما كنتُ يافعاً. عينني ناظرا للصغار، في مدرسة البشارة الارثوذكسية خلال 1959 – 1960. كانت والدته بقربه يومذاك، وكانت ذقنه المديدة سوداء قاتمة. لكن عينيه كانتا ثاقبتين وخطابه واضحا وصريحا. قصدته يوم شاءت الصدف ان امثل الطائفة الارثوذكسية وحزب الكتائب في لجنة الاصلاح الدستوري المنبثقة من مؤتمري جنيف ولوزان، عامي 1984 – 1985. سألته يومذاك:
– بماذا توصيني يا صاحب الغبطة؟ فنحن مقبلون على صفقة تاريخية، ولا بد من اعادة النظر في الصلاحيات.
أجابني:
– دعني اقول لك يا ابرهيم وبكل وضوح: نحن اقلية. مصيرنا في لبنان من مصير المسيحيين في كل لبنان، فلا تميّز. كن رجلا حرا، ولي فيك كل الثقة.
منذ ذاك الوقت، لم اعد اشعر بانه علينا ان نقول: كلنا موارنة في حب لبنان. ولم يعد علينا شهر الشعار الذي طلعنا به عن "المارونية السياسية". فقد اثبتت الاحداث ليس فقط ان المسيحيين جسر واحد في وطن واحد يرفض التقسيم وينشد التعددية ويصبو الى اقامة دولة للمؤسسات. بل اثبت التاريخ ان الدعوة الارثوذكسية ترمي الى تخطي الخصوصيات والى ارساء عالم من التفاعل الثقافي والديني، حتى بات في القانون المدني ما يستوحي بعض الشرع الاسلامي وتبنى هذا الشرع حلولا جديدة في الثقافة القانونية.
ان الضمير الارثوذكسي، اذا صح التعبير، عليه ان يكون منصبا على توحيد الكلمة وعلى الارتقاء بالخطاب السياسي الى ما هو جامع وبناء. هذه هي حكمة الفقيد العظيم.