أزمة النظام: المراكز للطوائف لا للأشخاص
السجال حول الصلاحيات المطلوبة لنائب رئيس الحكومة يتكرر عبر الخطوط نفسها. ولا شيء يتغير. لا الردود على المطالب المزمنة للأرثوذكس منذ عقود سبقت وصول اللواء عصام أبو جمرة الى المنصب الذي بقي (شرفياً). ولا المواقع التي تتحكم بالمواقف. فالرد الدائم على الدعوة الى فتح ورشة اسمها النظام الداخلي لمجلس الوزراء، يبدأ من التذكير بأنه ليس في الدستور أي ذكر لنائب رئيس مجلس الوزراء، وينتهي الى القول إن المسألة تحتاج الى تعديل الدستور. والمنطق السائد هو أن استخدام المفتاح النظري لباب التعديل الدستوري يفتح باباً يصعب إغلاقه لأنه يقود الى مطالب تطرحها فئات عدة، بحيث يهتز الأساس الذي بني على اتفاق الطائف، وسط من يريد الخروج منه ومن يريد الخروج عليه.
ولا فرق، سواء كان من يطالب بالصلاحيات هو اللواء أبو جمرة أو سواه. ولا يبدل في الأمر الايحاء أن الإصرار على المطالب هو جزء من (حرب عصابات سياسية) هي تاكتيك هجومي يمارسه (التيار الوطني الحر) المشارك في الحكومة ضد الرئيس فؤاد السنيورة ومن أجل أهداف متعددة بينها معركة الانتخابات المقبلة. فالمطالب أقدم من حكومة السنيورة ومن اتفاق الطائف. وكل حكومة منذ الاستقلال حتى اليوم، ضمت شخصية أرثوذكسية في موقع نيابة رئاسة الحكومة مع حقيبة وزارية أو من دون حقيبة، بصرف النظر عن خلو الدستور من أية اشارة الى المنصب. وليس من المعقول، سواء كانت الأعراف التي تتكرر لها قوة الدستور أو لا، ان نستمر في حال السجال للسجال بدل البحث عن مخرج أو حلّ.
لكن السجال يعيدنا في الواقع الى الأزمة البنيوية في النظام الطائفي. وهو نظام لم يعد قادراً على ضمان الحد الأدنى من ادارة التعددية فيه بسبب الآحادية داخل المذاهب. ولا المخرج الطبيعي منه الى الدولة المدنية يبدو سهلاً وسط الرياح الطائفية والمذهبية التي تضرب المنطقة. فالمراكز في هذا النظام هي للطوائف والمذاهب لا للأشخاص، وان كانت نظرياً للأشخاص. ولا دور عملياً وجدياً لنواب الرؤساء، لأن كل طائفة تعتبر ان صلاحيات الموقع لها، وترفض ان يمارسها ممثل طائفة أخرى ولو في غياب ممثلها هي، وتتحفظ بالطبع عن توزيع الصلاحيات.
وتلك هي المسألة. فلا السجال يحلّها. ولا الحوار يأخذها الى ما هو أبعد من التفاهمات الرمزية. ولا حتى الصلاحيات تبدّل طبيعة النظام والوسائل التقليدية في ادارته. والأمل الوحيد هو ان تقوى التيارات والقوى التي لها مصلحة في تغيير النظام.