كتبت صحيفة "النهار":
جولة "الملاكمة الامنية" الحالية، لا تشبه سابقاتها الـ13 في الكثير من عناوينها وتفاصيلها، وان لم تختلف سبل المقاربة الامنية والمعالجة السياسية التي بقيت تقليدية، دون اي تأثير على مجريات الامور، ولم تفلح دول في لجم اندفاعة العنف او الحد من استمراره وتوسعه، خصوصا ان ساعات النهار الهادئة لا تلبث ان تتحول ملتهبة وعنيفة من حيث حدة المواجهة وانتقال الاشكال الامني من المتاريس والتمترس وراء خطوط تماس معروفة او متاريس مدروسة الى عمليات اقتحام متبادلة تستعمل فيها الاسلحة الرشاشة المتوسطة والمدفعية كغطاء ناري للهجمات على مواقع الخصم، وإشباعها بالصواريخ، كما حصل ليل الاحد حيث سجل سقوط عشرات القذائف الصاروخية والمدفعية في شارع نديم الجسر وآخر شارع المئتين وشارع الثقافة ووسط ابي سمراء في اماكن بعيدة عن خطوط التماس، كما تساقطت القذائف بكثافة على منطقة الغرباء على اطراف الزاهرية على الضفة الشرقية لنهر ابو علي، واقتصرت الاضرار على الماديات من مبان وسيارات، ولم يسجل سقوط ضحايا من السكان، لكن سقوط القذائف وتوسع مدى الاشتباكات دفع بالعديد من الاسر الى التفكير في الانتقال الى مناطق خارج طرابلس، لخطورة الوضع الامني.
على صعيد آخر، بقي الوضع التربوي مشلولا مع قرارات ادارات المدارس الاستمرار في تعليق الدروس حتى استتباب الوضع الامني.
واقتصاديا، لا حركة تذكر، بل تسوق غذائي بالحد الادنى، مع حركة سير قليلة جدا وانعدام لحركة المارة، وغياب شبه تام للمتسوقين من خارج طرابلس والسياح المعتادين "الترويقة في طرابلس"، وعادة ما يرتادون مطاعم الحمص والفول والشاورما او محلات الحلويات الشهيرة.
المواصلات ما زالت مقطوعة عبر الطريق الدولية طرابلس – البداوي- المنية – عكار – الحدود مع سوريا، مع تسجيل اصابات عدة لمواطنين حاولوا سلوكها ولو بسرعة، لان رصاص القنص كان اسرع في التقاطهم، الامر الذي يدفع باكثرية المتوجهين عبر طرابلس الى بيروت ذهابا وايابا الى سلوك طريق البداوي – القبة صعودا، ثم نزولا عبر ابي سمراء وصولا الى البحصاص فالطريق الدولية الى بيروت.
والاجراءات العسكرية التي اتخذها الجيش لضبط الاوضاع، راوحت بين اقامة حواجز ثابتة عند مداخل طرابلس وساحاتها الرئيسية وتسيير لدوريات مؤللة في الشوارع، مع تعزيز لمواقعه في مناطق التماس بين الاحياء المتنازعة، ونجح طوقه الامني حول مناطق القتال في منع الظهور المسلح في احياء طرابلس الداخلية، والذي عادة ما كان يرافق اي انفلات امني، وساهم في منع اي حالة اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
ميدانيا، الاصابات في اشتباكات طرابلس خلال اليومين الماضيين بلغت 4 قتلى و12 جريحا. والقتلى هم مقداد درغام، محمد شما، جمال اليافي، غسان ابو معروف محفوض. اما في الاضرار المادية فالكل يتحدث قبل انقشاع غبار القذائف عن دمار كبير لا يقارن بما مرت به احياء النزاع من قبل في جولات "الملاكمة الامنية" الـ13، مما يشير الى تحول نوعي في طبيعة المواجهة (اقتحامات متبادلة واستعمال كثيف شبه متواصل للاسلحة الصاروخية والمدفعية) مع مطالب لم تظهر من قبل، تعكس حجم الهوة السياسية والنفسية بين بعل محسن وجيرانه في التبانة والقبة والمنكوبين والحارة البرانية وغيرها، وتؤكد في الوقت نفسه فشل المعالجات السابقة في ايجاد مخرج من نفق الاشتباكات الدورية.
وفي بيروت أصدرت قيادة الجيش بيانا امس جاء فيه: "تواصل قوى الجيش المنتشرة في مدينة طرابلس، تعزيز اجراءاتها الأمنية لقمع المظاهر المسلحة واعادة الأمن والاستقرار فيها، وصباح اليوم (امس) سقطت رمانة بندقية قرب احد المراكز العسكرية في المنطقة، مما ادى الى اصابة عسكريَّيْن وأحد المدنيين بجروح مختلفة".