يسطّر الكتاب في أسفاره، معطوبية الجسد وحتمية الموت، لخلود الروح في جوار الباري، فـ"باطل الاباطيل، كل شيء باطل (الجامعة 2/1). يبقى القلق كامناً من تصرّع الجبابرة، والكآبة مستشرية في وداع الآباء، والحزن موحش لغياب الاحباء.
في رقادك يا سيّد، تهوي من السماء المشرقية، نجمة كبيرة، وينهار من سور "المدينة العظمى"، جدار متين. لكن الاستكانة الكاملة تكون للمتبحّر في سيرتك، وقد أنجزت كمّا من الأعمال، مصغياً لكلامه: "من يعمل ويعلّم يدعى عظيماً في ملكوت الله" (متى 19/5).
تفتقدك الكنيسة الارثوذكسية، رأساً ومدبّراً، تبكيك "حركة الشبيبة الارثوذكسية"، شيخاً مجدداً صباه، ويلحدك صرح "البلمند"، مؤسساً ومفقّهاً. الخسارة مرّة، وعلقمها يزداد على الشرق العتيق، وعلى "أنطاكية" الكامنة في النفوس، وقد أضاعت تاجاً من تيجانها الجميلة. لسنين خلت، في عيد النبي الغيور إيليا، شاهدتك راعياً مصلياً، معتلياً عرش البيعة في دير شويا – المقر الصيفي، وجلست في حضرتك، مؤمناً مصغياً، للدمشقي الطيّب. همّك الشرق، معقل الحضارات، خوفك على قاطنيه، في عيشهم المشترك الفريد. في الزمن الاخير، بدوت صامتاً، تأبى الكلام، وقد أضنتك عواصف شتاء عربي، هبّت فيه رياح الفوضى والاصولية والتعصّب. عبثاً بحثت فيه عن الاخوة والمواطنة، عن السلام لحقيقي، لئلا يبقى المسيح وحيداً في بلاده. فدمعت على أقلية تتيه في الضوضاء، تتغرّب مكرهة عن بيتها الاصيل، وبقيت مع البقية الباقية، تتفقد رسالتها وكينونتها.
ايمانك المستقيم، كللك بصلابة العقيدة، جللك بقوة الدفاع، وزيّنك بصفاء الرؤيا. فبدا عندك، عطش للحق والخير والجمال، يتجسّد في الاعمال، والشهادة اليومية، ويكتمل في العلاقة مع الآخر الغريب والقريب، لاصالة التفرّع من جذر واحد. فاستويت رائد الحوار والانفتاح على الطوائف والاديان. مسكونياً يفخر بمشرقيته وكنوزها، وأرثوذكسي النشأة والفكر والطقس في أورشليم الأرضية.
أما أنطاكية الأبية، فلها في وجدانك انطباع، وفي صدرك حنين. لهف صامت الى المنبت والموطئ، الى حيث دعي التلاميذ للمرة الاولى مسيحيين (اعمال الرسل 26/11). شوق عميق الى ملتقى الشهداء، الى بطرس الصخر، وبولس السيف، واغناطيوس الانطاكي، فكنت الوحيد المجاهر بأن "التباين بين الارثوذكسية والكاثوليكية ليس عقائدياً… نحن قادرون على الوحدة مع روما، لأننا أوفياء بعناد الى جذورنا" (كاتدرائية نوتردام في باريس، سنة 1983).
الكلام عن مآثرك مديد، وأنت رسول الكلمة وحاملها. وحده رجاء القيامة، يسربلنا بحلة التعزية والنعمة، لمواصلة البشارة، قولاً، عملاً، وشهادة، كما ابتغيت دوماً، يا أيقونة بهية، خالدة، من مدارس حلب وأنطاكية… فمغبوط سبيلك، أيها العابر أنطاكيّاً…