تجيء سيدي، من بهاء إنطاكية، من هضابها وسهولها وجبالها وروابيها، ناحتًا من ضياء الشمس وجهًا جديدًا لكنيسة هي الأصالة والاستقامة في هذا المشرق العربيّ. كنت أفيء إليك في "مسرى طفولتي"، ومطلع شبابي، أستمتع بكلماتك الهادئة والرصينة، تسوح بنا في نزهة العقل نحو الإيمان، وتدلّنا بالقلب إليه، وتقول نحن أهل هذا الشرق. نحن أصيلون فيه حتّى العظم. كم كنّا نتمتّع بلغة الهدوء تنساب من فيك ناثرة بعضًا من شذى عقلك، ونافحة الكثير من طيب قلبك، في أزمنة عجاف عصفت بنا بين لبنان وسوريا. كم كانت تلك الأزمات صعبة على من تآلف وثقافة قبول الآخر بمفهومه وتجلياته، ومن عاش معه في أمان وسلام. ولكنّك مع أئمّة كبار في الفكر والروح، حاولت غرس شجرات الخير، في وسط الحريق والرماد، وعلمتنا أن نعقل في هدأة الكلمات حين يعصف الغضب ويطيش العقل ويموت الفهم.
أكرمني الله سيدي بأن أعودك في المستشفى، وكنت قد تماثلت للشفاء، وبتّ تستعدّ للتحرر من الغرفة والتعب لتزاول نشاطك بين البلمند ودمشق. قلت لي: لن تطول إقامتي في البلمند، فأنا أودّ العودة إلى دمشق لأعيش مع الشعب هناك، لا يمكن أن أترك شعبنا في هذه المحنة وفي هذا الضيق الخانق. كم كان اللقاء ممتعًا، وكم كنت سعيدًا بحوار عميق دار في ما بيننا، وتنزّهنا فيه ما بين الجامعة الأميركيّة في بيروت وما بين الواقع المعيش الذي غصنا فيه من باب التحليل الهادئ والرصين الذي سمعته منك… كانت الذكريات تشي باللحظات الراهنة. وبصوت هادئ أخبرتني أن زملاءك المسلمين في الجامعة كانوا الأقرب إلى قلبك كقرب غسان تويني وسامي عبيد وآخرين. ولا تزال تربطك بهم حتّى اللحظات الأخيرة أطيب العلاقات. وكما كان نقيب الصحافة محمد البعلبكي أستاذكم في اللغة العربيّة كنت أستاذ الجميع فيها. فكان يحجّ إليك من أحبّ لغة الضاد تنزل على لسانك مشبعة، فتقرئهم إيّاها بصوت رنّان هادئ، وتلبسها حلّة الجمال. وسعيت إلى الفلسفة مع شارل مالك، تنهل منه الكثير، وتحاول معرفة الله بالعقل، كما حاول توما الأكويني قبلك. لكنّ إحساسك الأرثوذكسيّ ـ المشرقيّ، تغلّب على تلك النزعة، التي سادت معظم من كانوا في تلك اللحظات إلى شارل مالك في رحاب الجامعة، وذهبت إلى معهد القديس سيرجيوس في باريس، تنهل من آباء الكنيسة ما لذّ وطاب من الينابيع الإنجيليّة الصافية، وتطلّ من هناك على الأدب الروسيّ مع دوستيوفسكي الذي اكتشف الله كما الآباء المشرقيون بالقلب، وقرأوه بالعقل من خلال اللاهوت. فأدركت أنّ الإلهيات في اللغة الأرثوذكسيّة تبقى لغة القلب الممسوح بالنّعمة والحقّ.
كانت التربية مداك والعلم سداك. من بيروت سعيت كاهنًا إلى تأسيس المدارس، فكانت كليّة البشارة فلذة قلبك، وأنشـأت جيلاً سطع في المعرفة والفهم، وكنت تحرص حرصًا شديدًا على ذلك. وفوق تلّة البلمند، عانقت الله بالمدى المعرفيّ. فولد معهد اللاهوت من فؤادك، وكنت أسقفًا. وحين غدوت بطريركًا، حوّلت البلمند إلى مؤسسة جامعيّة، فاحتضنت الجميع مسيحيين ومسلمين في رحابها يتعلمون ويعيشون معًا، وأعطيت من خلالها أمثولة في فرادة العيش والقراءة حين كانت الأرض تحترق بنار حروب الآخرين بمكوناتنا، وتبني حيًّا مسيحيًّا متصادمًا مع الحيّ الإسلاميّ. وسمعتك تقول ذات مرّة، من سنة 1993، حين كنت إلى جانبك في دير القديس جاورجيوس الحميراء، "همّي أن تكتشف الأجيال أصالتنا وتاريخنا عبر تلة البلمند". وقلت لمن حولك، بأن هذا الدير كانت فيه مدرسة عريقة، وأشرت إلى دور عائلتي في تأسيسها، ومن ثمّ رحت تسأل لماذا أغلقت؟ كنت شغوفًا بالحجر الذي هو الأثر، وقد صار وجهًا يخبر عن أجدادنا وحضورنا الأصيل في المشرق العربيّ، وعمّمت بأن هذا لا يدرك إلا بالتنقيب والعلم والمعرفة. كنت باحثًا بتدقيق وشدّة عن الذات، ورأيتها راسخة في عمق هذا التراب بإرث الآباء والمفكّرين والمجاهدين، الذين حولوا الكلمة خبزًا يوميًّا نازلاً من السماء من أجل أهل الأرض.
سيدي البطريرك، صمّمت على هذا الكشف من لبنان بالذات، لأنّك قرأت لبنان فريدًا بتعدديته وتنوعه الفكري والثقافي والسياسيّ. وعلمتنا أن لبنان حاجة ماسّة للدنيا بهذا الإرث الحضاري الكبير، وفلسطين المصلوبة امتداد لبهاء الفرادة المكنونة في العمق العربيّ والمشرقيّ، إذ هي معراجنا إلى السماء. صدمتك فلسطين الجريحة بتأوّهها ووجعها، ورأيت إسرائيل تصلب المسيح بأبنائها، الذي ولد هنا ومات هنا وخرج من عندنا إلى الأمم. الصليب يا سيدي ما زال ممدودًا بنا في جلجلة طويلة، فهل سنتوشّح بالفجر؟ وعلى الرغم من مرارة المعاناة انكشف هذا الفجر على محيّاك ومضيت تسكبه بطهر وجلال في قلوبنا، وتدعونا إلى طرد الخوف. ذلك أنّ المحبّة تنفي كلّ خوف. وعلينا أن نتحدّى الناس بقوّة المحبّة. وظهر لبنان في فكرك هدفًا لإسرائيل تعبث بمكوّناته ومقوّماته، وتعيق مسيرة الآئتلاف بين العناصر كلّها، حتّى نظلّ في تبعثر وتلاش، وحذّرت في خطابك البليغ في مؤتمر الطائف، من الانقضاض على جوهر لبنان وجوهر فلسطين، وكأنّك رأيت النهاية والنتيجة قبل انفجارها في العراق ومن ثمّ في الحرب على سوريا وعلى تكوينها وإرثها المسيحيّ – الإسلاميّ المشترك. العبث بهذا الإرث تمزيق للذات، وتمزيق لحضور الله في الذات الإنسانيّة، والمعبّر عنها بالسياقات السياسيّة والحضاريّة.
سيدي البطريرك، أذكر أننا خلال الأزمة الكبرى في لبنان، كنّا ننتظر مجيئك لنسمع خطابًا هادئًا متضامنًا مع مأساتنا، وتطلق المواقف الصلبة نصرة للمظلومين والمتعبين من ثقل الأزمات. هلاّ صلّيت لنا أمام العرش الإلهيّ لتبقى كنيستك عروس المسيح؟ هلاّ صليت لنبقى ونقول بها وجودنا الأصيل في هذا المشرق ونترجمه إبداعًا وخلقًا ومبادرات مشرقة وفاعلة من أجل الإنسانية جمعاء؟ هلاّ سألت المعلّم بأن يكون معنا في مشرق عربي متخبّط بالعواصف والمخطّطات المفككة لعناصر حضورنا، ويمنحنا القوّة لنستمرّ ونبقى ونوجد ونتحرّك به؟
ناشط في "اللقاء الأرثوذكسي"