باريس بين مطرقة الالتزام الأميركي بالقرار 1559 وسدان الرافضين التعقيدات المارونية الطارئة تدفع صفير الى الحذر والفرنسيون انشغلوا في تحليل مضمون خطاب نصر الله وتأثيراته
يحيى جابر (الشرق)
ترك وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير وراءه “كنزاً” مليئاً بالأسرار عن فحوى محادثاته مع البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، وما تم الاتفاق عليه، وما تم تأجيله، وما تم حذفه نهائياً من التداول، وغادر إلى باريس ليل اول من امس، على أمل العودة ثانية إلى لبنان في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، حيث سيبقى – كما قيل – يومي 22 و23، وعلى ان يقوم ممثله السفير السابق جان كلود كوسران بمهمات محددة نيابة عنه.
وبالفعل، ووسط معلومات وتحليلات متضاربة، عن فحوى المهمة التي استدعت بقاءه في بيروت، زار كوسران البطريرك صفير في بكركي، وجلس معه لعشرين دقيقة خرج بعدها من غير ان يدلي بأي تصريح، ومن غير أن يُعرف ما اذا كان تسلم من البطريرك اللائحة التي كان كوشنير تحدث عنها وتحمل أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية يسلمها بدوره إلى الرئيس نبيه بري وإلى النائب سعد الحريري كجزء من الآلية التي اعتمدت، يختارا منها اسماً او اثنين للانتخاب في مجلس النواب، ما زاد الأمر غموضاً على غموض.
تشكك بعض الأوساط في التطمينات التي اعطيت للبطريرك كتشجيع له على تسمية مجموعة من الأسماء، قيل انها ستة، على اعتبار ان المرحلة الحالية تختلف عن العام 1988 وان الضمانات التي اعطاها الوزير الفرنسي، والضغوط التي قيل ان البطريرك يتعرض لها من الفاتيكان والدول الأوروبية والولايات المتحدة وبعض الدول العربية، لم تفلح في ازالة التعقيدات المحلية، لا سيما في الوسط الماروني، تسهيلاً لانجاز الاستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري.
وأمس تحدثت المعلومات بكثير من الشفافية عن ثلاث عقبات جدية، الأولى تتمثل بموقف رئيس الهيئة التنفيذية لـ”القوات اللبنانية” سمير جعجع، الذي أصر على اخراج بكركي من هذا الدور الذي ليس لها أصلاً والعودة به إلى مجلس النواب… والثانية تمثلت بموقف الرئيس الأعلى لحزب الكتائب امين الجميل، الذي لأسباب ما، رأى ان الأمور، عادت إلى نقطة الصفر وسط عقبات كثيرة وتضارب معلومات عن احتمال ترشحه إلى رئاسة الجمهورية، رغم نفيه وتأكيدات نائبه رئيس الحزب كريم بقرادوني، والثالثة تمثلت بموقف رئيس “التيار الوطني الحر” النائب الجنرال ميشال عون، الذي رفض ادراج اسمه في اللائحة البطريركية بين المرشحين الآخرين، فاذا صحّت هذه المعلومات والمواقف، يكون البطريرك وُضع في حلقة مفرغة لن يكون بمقدوره الخروج منها، بالرغم من كل الضمانات والتشجيع الذي يلقاه في الداخل والخارج، فيعود إلى مواقفه السابقة متحفظاً عن تسمية مرشحين بالاسم، مكتفياً بتحديد المواصفات، والمواصفات التفصيلية هذه المرة.
وبالرغم من أن “العقدة المارونية” باتت أم العقد، فان الفرنسيين انشغلوا طيلة الأيام الثلاثة الماضية بتحليل مضمون خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بذكرى “يوم الشهيد” والذي اصطبغ بحدة لم تكن متوقعة “قلبت الطاولة” في وجه الجميع، على ما قرأته اوساط اعلامية قريبة من حزب الله. لكن الاتصالات الجانبية، ومن وراء الكواليس، التي جرت بين الفرنسيين وقياديين في الحزب عملوا على ايضاح حقيقة الصورة ومقاصد السيد نصر الله، خفف كثيراً من ايقاع المواقف الملتبسة وتداعياتها على المبادرة الفرنسية، من غير تراجع عن المضامين الحقيقية التي حملها الخطاب.
وبحسب معلومات اولية، فان قياديين في حزب الله، التقوا السفير كوسران وأطلعوه على مضمون كلام الأمين العام للحزب، وشرحوا له موقف الحزب، كما هو، لا كما يقرأه الفريق الآخر على أساس ان جوهر الخلاف هو القرار 1559 الذي يرفضه حزب الله وسائر قوى المعارضة وبعض “الموالاة”، وتتمسك به الولايات المتحدة، وتحدد خياراتها ومواقفها من الأشخاص والأفرقاء في ضوء التزام هؤلاء القرار المذكور…
وتقول المعلومات، ان الفرنسيين منذ مدة ليست قصيرة، بدأوا يتفهمون خصوصية لبنان الاستثنائية التي تحتم التعامل مع القرارات الدولية بحذر شديد… لكنهم في الوقت عينه لا يستطيعون تجاهل التمسك الأميركي بهذا القرار ومعهم فريق من اللبنانيين، ولذلك كان كوشنير واضحاً عندما سئل عن موقف بلاده من وصول رئيس يضع القرارات الدولية جانباً، لا سيما القرارين 1559 و1701، قائلاً: “سنفعل ذلك بصعوبة، اذا كان لا بد من ذلك (اي وصول رئيس مماثل)، مستطرداً القول “نتمنى ان تكون كل القرارات الدولية محترمة… ليست هذه امنية فرنسا فحسب، انما ايضاً كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن والتي صوتت على هذه القرارات…” مكرراً “يجب ان تكون هذه القرارات محترمة، لكن ليس لأنني اقول هذا، فالأمر سيتحقق”.
الى اللحظة، لا تبدي الولايات المتحدة ما يمكن أن يفسر تبديلاً او تعديلاً او تطويراً في مواقفها، لكنها ترقب المساعي والنتائج بدقة متناهية، وترى الوقت يمر بسرعة مقترباً اكثر من الموعد النهائي للاستحقاق… وقد ابلغ السفير فيلتمان اكثر من جهة ان موقف بلاده ما يزال هو هو، لجهة اختيار رئيس يحترم القرارات الدولية ويؤكد التزامه تنفيذها، من غير أن يبدي قلقاً ملحوظاً ان استحق الموعد ولم يجر انتخاب رئيس – لأي مانع كان – باعتبار “أن الولايات المتحدة لا تجد مانعاً من بقاء حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ريثما يتم انتخاب رئيس جديد للبنان…” وهو أمر لا يلقى ترحيباً لدى غالبية القوى السياسية في لبنان التي يهدد بعضها، باجراءات قد تؤدي إلى نتائج ميدانية خطيرة للغاية.
ومع كل ما تقدم، فان زوار الرئيس بري لا يزالون ينقلون عنه تفاؤله بحل قريب، من غير ان يستر قلقه، اذا عصي على البطريرك انجاز اللائحة الموعودة – المطلوبة، مع تأكيده على ان الحلقة المفقودة من سلسلة الحل الناجز يجب معالجتها بسرعة على المستوى العربي، وتحديداً على مستوى العلاقات السعودية – السورية، ليمكن القول ان “الحل بات في متناول اليد”، وفي هذا يرقب رئيس المجلس نتائج زيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى دمشق وما يمكن ان تحمله من اخبار ومعطيات، تخوله المضي في “تفاؤله” انطلاقاً من ان الوضع الاقليمي (السوري – الايراني) لم ينضج بعد لتقبل حلول من النوع الذي تحدثت عنه صحيفة “البعث” بجعل لبنان كياناً من لون واحد وتحوله إلى محمية اسرائيلية وقاعدة عسكرية اميركية…”.