#adsense

قنبلة موقوتة إسمُها اللاجئون السوريّون في لبنان

حجم الخط

الأرقام الرسمية للنازحين السوريين إلى لبنان، وفق الأمم المتحدة، بلغت 150 ألفاً. ومن السهل أن يتوقّع المحللون وصولها إلى الضعفين أو الثلاثة سنة 2013، إذا استمرّ الصراع في سوريا. فهل لبنان مهيّأ لتحمُّل هذا الوزن إنسانياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً؟

في زمن الحروب اللبنانية، لجأ اللبنانيّون إلى سوريا طلباً لبعض الأمن. نزحوا أو خرقوا الحدود للحصول على حاجيات فُقدت في لبنان، أو لمجرّد "استراحة محارب". وفي حرب تمّوز 2006، لجأ الجنوبيّون والبقاعيّون بعشرات الألوف إلى سوريا، لكنّهم ما لبثوا أن عادوا إلى قراهم بعد الحرب.

اليوم زمن الهجرة المعاكسة. مئات الآلاف من المواطنين السوريّين يتهافتون إلى لبنان طلباً للأمن، يقودهم حجم مضاعف من الرعب والقلق من المستقبل. فكم يحمل التاريخ مِن مفارقات! لكنّ عاملاً مُهِمّاً يجدر التوقف عنده في المقارنة بين الهجرتين: هجرة اللبنانيين كانت تتمّ في شكل مضبوط إداريّاً وأمنيّاً، حيث كانت السلطات السورية تُمسك سوريا – ولبنان – بقبضة من حديد، فلا يخرق أمنها شيء ولا أحد. أمّا هجرة السوريين إلى لبنان فتحصل في ظلّ "لاحكومة" لبنانية، تُمسك بالـ"لاأمن" والـ"لاإدارة". ويدخل السوريّون لبنان من كلّ المعابر واللامعابر، بلا ضوابط ولا إحصاءات ولا إجراءات، ولا حتى الشكلي منها. ويختلط حابل النازحين المدنيّين بنابِل المعارضين أو المنشقّين. ويضيع الهاربون مع عائلاتهم من رعب الحرب الأهلية بالوافدين مع عائلاتهم للعمل في لبنان.

لم يكن نزوح اللبنانيين في الحرب إلى سوريا مشكلة لأمنها أو اقتصادها. وعلى العكس أحياناً، ساهم النزوح في تحريك الاقتصاد السوري. أمّا النزوح السوري الكثيف والمتواصل فيحصل اليوم من بلد يضمّ 23 مليون نسمة إلى بلد الأربعة ملايين، ومن بلد الـ185 ألف كيلومتر مربّع إلى بلد الـ10452.

العبور السهل… إلى المأزق!

تقدّر المفوّضية العليا للّاجئين التابعة للأمم المتحدة عدد اللاجئين السوريين إلى البلدان المجاورة، مع نهاية العام الجاري، بنحو 700 ألف. وكانت الوكالة أعلنت في آذار أنّها تتوقّع بلوغ العدد 100 ألف في نهاية هذا العام، لكنّها فوجئت بالوصول إلى هذا الرقم في تمّوز، أي في منتصف العام تقريباً. ثمّ ارتفع عدد المسجّلين رسميّاً لديها إلى 300 ألف، وهي تتوقّع وصول الرقم إلى 700 ألف نهاية هذا الشهر. وفي الحالة اللبنانية، وفي غياب الأرقام الدقيقة، ومع اختلاط النزوح بعمليات الدخول المعتادة للعمّال وعائلاتهم، تقدّر الأمم المتحدة عدد النازحين بنحو 150 ألفاً، لكنّ البعض يقول إنّ العدد وصل إلى أكثر من 200 ألف.

في المطلق، يصعب تقدير حجم العابرين بين لبنان وسوريا نظراً إلى طبيعة الواقع الحدودي، حتى في الأيام والظروف العادية، حيث هناك تداخل للنقاط والمناطق وصلات قربى وفلتان على المعابر. والتدفّق الغزير للمواطنين السوريين الى لبنان، يجعل من المتعذر التمييز بين الحالات الإنسانية، وتلك السياسية والأمنية، فيما لبنان عاجز حتى عن ضبط الأمن في مدينة قريبة من الحدود كطرابلس، وعن منع التهريب بالرجال والسلاح.

وإذا استمرّ هذا الواقع، فالمشكلة ستزداد تعقيداً، سواء على الصعيد الإنساني أم السياسي والأمني.

فمع انطلاق الشتاء، يبدو هؤلاء المواطنون السوريّون بلا حماية حقيقية، حيث يتوزّعون على أبنية غير مجهزة، أو يستقبلهم مواطنون لبنانيّون فقراء إجمالاً. ومعاناة هؤلاء، وبينهم النساء والشيوخ والأطفال باتت هائلة، فيما يغيب الاهتمام الكافي من جانب الهيئات الإنسانية الدولية.

وفي الجانب الآخر، وفي شكل تدريجي، قد تبرز مشكلة الأمن. فإذا ما طالت الأزمة في سوريا إلى أمد طويل، وهذا أمر مرجّح، سيتحوّل النزوح السوري إلى مشكلة داخلية، وهناك مَن يعتقد أنّه قد يزيد خطر انتقال الشرارة السورية إلى لبنان. فالانتماء السياسي لغالبية النازحين يحظى بتعاطف بعض اللبنانيين، مقابل التصادم مع البعض الآخر. وسيزداد مقدار الخطر تدريجاً وتصاعدياً.

وهؤلاء النازحون ينتمون إجمالاً إلى الطائفة السنّية، كما الفلسطينيون. وإذا ما طالت الأزمة في سوريا، فسيصبح هناك تضخّم سكّاني سنّي في الشمال وبعض البقاع. أمّا إذا سقط النظام في سوريا وأصبح الحكم في يد السنّة، فسيكون النازحون السوريّون في لبنان وزناً سياسيّاً داعماً للحكم الجديد وحلفائه اللبنانيين. وقد يقرِّر النازحون العودة إلى سوريا أو يبقى منهم قسم كبير في لبنان، وفقاً لمدى التأقلم الذي حقّقه مع البيئة التي عاشَ فيها خلال فترة طويلة من الأزمة. فالموَقَّت يصبح دائماً في غالب الأحيان. وما مِن أحد متعلّق بالعودة منذ 70 عاماً كما هم الفلسطينيون!

وليس في الأفق ما يثير الهواجس من تحوُّل النازحين السوريين الى حالات أمنية كما هي المخيّمات الفلسطينية، إذ ليس هناك مخيّمات للّاجئين السوريين، وليست ظروف الحرب في سوريا كظروف الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتهجير أهلها. لكن الحكومة اللبنانية أمام مسؤوليتها في هذا المجال، علماً أنّ حكومة النأي بالنفس لم تكلّف نفسها حتى اليوم المبادرة إلى مناقشة الملفّ، كما يجري في دول العالم التي تتعرّض لمشكلة مماثلة. ولم يُستجَب إلى كلام وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور الذي أشار إلى أنّ "الحكومة نظرت باستخفاف في بادئ الأمر إلى هذا الموضوع". وقال: حذَّرنا مراراً من أنّ الأمر خطير، وستكون له تداعيات خطيرة على لبنان، إلّا أنّ أحداً لم يستجب". وأوضح "أنّنا نضع آلية مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لمعرفة العدد ليكون للدولة معرفة وتتحمَّل مسؤولياتها… فعلى الدولة أن تقوم بواجباتها الإنسانية تجاه اللاجئين وأن تحفظ سيادتها في الوقت نفسه".

إنّها قنبلة إنسانية واجتماعية واقتصادية، ولكن أيضاً سياسية وأمنية، آتية عبر الحدود من سوريا، وقد تنفجر كما انفجرت قنابل أخرى لم تُكشَف قبل تعطيلها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل