#dfp #adsense

جبران تويني في ذكراه شمعة لا تنطفئ ظهير المقاومة اللبنانية وأحد رموز القضية

حجم الخط

بعد استشهاد جبران تويني، واظبت سيدة مسلمة متقدمة في العمر تضع منديلاً على رأسها على الحضور الى امام مبنى "النهار" في وسط بيروت حيث كانت ترتفع صورة كبيرة للشهيد، تقف هناك تبكي بصوت خافت وتضيء شمعة ثم تغادر بهدوء. استمرت تلك المرأة على عادتها مدة طويلة على ما قال لي حراس المبنى من دون أن تطلب شيئاً أو تسأل عن أي شيء، فقط دموع وشمعة.

صفحات كثيرة كتبت عن جبران تويني، هو رجل كان على علانيته وصراحته واطلالاته الاعلامية الكثيرة، صاحب مواقف صارمة تشبه جدية الدروز وصرامتهم وقد كان يفاخر بنصفه الدرزي ونصفه الآخر الارثوذكسي. كان لا يفضل الحديث عن أمور كثيرة بل يترك للأفعال أن تتكلم على الأرض. وما تجربته في أصعب سني الاحتلال السوري بعد 1990 الا اختبار حقيقي لعمقه والتزامه "المقاومة" للدفاع عن القضية اللبنانية وحقوق الانسان وحق اللبنانيين في بناء دولتهم السيدة والحرة، التزام ذهب به جبران تويني إلى أبعد الحدود وأودى به الى الشهادة. وأنا على يقين أن جبران لم يكن يخشى الموت إطلاقاً بل يتلاعب به ويتجرأ عليه ويتحداه بعنفوان وعزة غير هياب لأسباب أجهلها، وكنت أظن أنها عابرة، لكن إقدامه على تحدي قتلته والطريقة التي سقط فيها تجعلني واثقاً من استهزائه بالموت.

جبران تويني كان ظهيراً لا يمل للقضية اللبنانية، وهو حقاً ابنها وأحد رموزها الخالدة، وتجربته مع قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية التي حملها معه الى كل المنابر أسطع دليل، ولا تزال مقالته الأخيرة "نعم المقابر الجماعية جريمة ضد الانسانية" عن المقبرة الجماعية التي اكتشفت في عنجر قرب مراكز الجيش السوري السابقة، موقعة باسمه ومنشورة على موقع "النهار" الالكتروني. جميع عائلات المعتقلين وأهاليهم يعرفون جبران: فاطمة وايلي وعلي وساميا ولور وغيرهم كثر. وعندما اقول جميعهم فأنا اعني الجميع من دون استثناء، فلقد فتح لهم صفحات الجريدة وحمل قضيتهم ووقف الى جانبهم، وعندما كنا نحتاج الى المال من اجل تأمين زيارة وفد الى اوروبا او تغطية نفقة ما، كان جبران جاهزا لتأمين المساندة والدعم اذ كان يشعر بأن المعتقلين عائلته واهله وانه معني بهم بشكل وجداني.

جبران تويني كان ظهيرا للمعارضة في زمن الاحتلال السوري. ومن دون "النهار" لما كانت هناك "مقاومة للاحتلال السوري". امضى الكثير من الوقت في محاولات مستميتة من اجل جمع كلمة المعارضة، والتي كانت مكلفة في تلك الايام ولا تزال نتيجة الاتهامات التي كان النظام الامني السوري – اللبناني المشترك جاهزا لإلصاقها بناشطي هذه المعارضة وقواها وفاعلياتها. وعندما جرى اعتقالنا بالعشرات لا بل بالمئات ميلاد 1996، كان الهدف الصاق تهمة التعامل مع اسرائيل اما بجبران تويني او دوري شمعون او بيار الجميل وغيرهم، فيما كان سمير جعجع في زنزانته وامين الجميل وميشال عون وريمون اده في منفاهم القسري بعيدا عن آلة القتل والاغتيال البعثية.

وعلى طريقة الصحافة المناضلة، طبعت في "النهار" الآلاف من المناشير التي تدعو الى المقاطعة واعلان "لا" في وجه الاحتلال السوري وكنا ننقلها من باب المطبعة الخلفي بطلب من جبران. من ينسى كيف قادت "النهار" بتوجيه من جبران معركة الحريات والدفاع عن حقوق الانسان وفضح ما يجري من اعتقالات؟ ومن ينسى مقالة غسان تويني الشهيرة: "اخبر، استخبر، فخابر… وخبر يا مخبّر الـ…؟ ومن ينسى مقالة جبران الاشهر التي اقامت الدنيا ولم تقعدها: "كتاب مفتوح الى الرئيس السوري بشار الأسد" والتي عادلت في مفاعيلها اصداء "نداء بكركي" الشهير الذي نادى بانسحاب جيش الاحتلال السوري بعد انسحاب الاحتلال الاسرائيلي؟

لاحقا، اثناء وجودي في باريس، اصر علي الشهيد جبران قائلا: "اهتم بمتابعة اخبار امين الجميل وريمون اده وميشال عون فقط وهؤلاء هم قضيتنا في باريس". وبالفعل كنت اشبه بضابط ارتباط بين الزعماء الثلاثة وجبران الذي صرف الكثير من الوقت هو ودوري شمعون وفايز كرم في محاولة الجمع بين القيادات المسيحية.

جبران تويني كان ظهيرا لاهالي الجنوب ومعاناتهم وبعد انسحاب الاحتلال الاسرائيلي عام 2000، وبادر بهمة منه الى تشكيل "لجنة المتابعة لقرى الجنوب" بالتعاون مع المغفور له المطران انطوان الحايك والمطران مارون صادر ومجموعة من الناشطين، بينهم منسق اللجنة وليد كرم، السفير سيمون كرم، الجنرال المتقاعد عبدالله خوري والاب هادي عيا وآخرون بقصد العمل على معالجة قضية من نزحوا الى اسرائيل واعادتهم الى لبنان من خلال التعاون مع الهيئات الحكومية والمدنية المعنية. ونجح في تحقيق جزء من هذا الهدف، لكن التهديدات والتدخلات كانت اكبر من الارادة الطيبة في العمل الخير والنيات الصادقة لدى القائمين على هذه اللجنة.

جبران تويني كان ظهيرا وسندا للمعارضة السورية ايمانا منه بأن لبنان لن يتعافى ويرتاح ما دام النظام الديكتاتوري الفاشي يقيم في جواره ويتآمر عليه وعلى ديموقراطيته ونظامه ومقومات حرياته. وعندما كانت المعارضة السورية وحيدة مستهدفة لا حول لها ولا قوة ولا سند محليا واقليميا ودوليا لها، وفي الوقت الذي كانت الانظمة العربية التي تدلل نظام البعث السوري وتكرمه، كان هذا النظام يسم شعبه الويلات ويضطهد الصحافيين والمثقفين، بادر جبران الى احتضان نسمات "الربيع السوري" التي كانت تلوح بدءا من اعلانات المثقفين المتكررة في دمشق الى ادنى حراك ديموقراطي. وقبلها بادر الى حمل قضية الصحافي والكاتب السوري نزار نيوف الى اعلى المحافل الدولية و"الاتحاد العالمي لناشري الصحف" واستمر في الضغط والحراك الى ان تم الافراج عن نيوف لينتقل بعدها الى العاصمة الفرنسية حرا.

لا ينضب الكلام على جبران تويني، كان مالئ الدنيا وشاغل الناس وكتلة حركة لا تهدأ سواء في الصحافة أو السياسة أو المجتمع أو الاعلام. هو ابن الشعب الملتزم قضاياه حتى آخر الطريق، والمدافع عن مصالحه والمتحسس لاوجاع الشيب والشباب والمظلومين. كان جبران يضع صورة كبيرة للمناضل تشي غيفارا في بيته الفرنسي، وكنت اعتقد ان للامر صلة بهوى الشباب وثورتهم، لكنه اثبت ان المسألة ليست مرد اعجاب بل التزام ذهب فيه الى الدفاع عن قضايا اللبنانيين بقلمه وصوته وماله ان اقتضى الامر. ولم تنته الامور بالنسبة اليه عند هذا الحد بل وصلت الى بذل أغلى ما لديه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل