همد بركان غسان تويني بعد ست سنوات ونصف سنة على رحيل جبران، كان يوم الاستشهاد يقف جبلاً لا يأبه للموت ينظر بعينيه، الذابلتين من البكاء سراً، الى الناس ويحكي عن العطاء وعن امكانية العيش والصفح، كلماته عن ابنه ابكت الجميع، الا هو، تركها لمكان آخر حيث يلتقي جبران في مكان ما يضمه الى قلبه ويحكي له حبه وألمه والانحناءة التي كسرت الجبل بعد العبوة التي سمع صداها رغم انه كان بعيدا عنها.
سبع سنوات وديك النهار يتلمس سبيله رغم الخسارة التي كادت تقضي على أحلام بعيدة بناها جبران الجد قبل ثمانين عاماً وطوّرها غسان بحلم جديد ليضع اللبنة الجديدة فيها جبران الحفيد الذي قضى بعيدا عن المبنى وقريباً من مجرى نهر شتوي توقفت مياهه مع الدماء الحمراء التي سرت فيه حين فجّر الوحش في ذلك اليوم الصورة الجميلة لآخر أحلام غسان.
قبل اشهر ستة استقبل جبران والده، وانتظر ان يستمع منه لأخبار الصغيرتين ولأخبار الكبيرتين أيضاً، كعادة تعلمها من والده لم يبك حين رآه ولكن غسان بكى هذه المرة كأنه لم يبك في العمر مرة. كان غسان هناك ينتظر صديقه البطريرك هزيم ليلتقيا سوياً مع جبران، ثلاثي صنع اختلافاً في هذا المكان، ثلاثي يحلم بصنع معجزة في ذلك المكان.
معجزة جبران هي في الكتابة وفي تطوير العمل الصحافي وفي السياسة وتحرير لبنان، هو كطفل صغير أو رجل كبير جداً لا يأخذه الهرم. قبل سبعة أعوام سار باتجاه المدينة، كان يدرك ان القاتل يقف خلف الباب تحداه بهدوئه ليكون بين الناس هنا، ولكن القاتل وكعادته منذ محاولة اغتيال مروان حمادة لا يكل كعهده بالاغتيالات كلها.
دخل جبران في الموت ورحل الى مكان آخر، ولكن روحه ما زالت تنتظر معرفة حقيقة الاغتيال وتوقيف القاتل ومحاكمته وانزال العدالة به، والتاريخ يذكر كيف قام الانقلابيون بمحاولة منع الحكومة من الذهاب الى طلب انشاء محكمة خاصة للاغتيالات، فالمقتلة التي لم تتوقف أتت لتنهي أشياء جميلة في حياة اللبنانيين، وقد لا يكون آخر شهدائها اللواء وسام الحسن.
الأيام الطويلة التي مرّت على استشهاد جبران تويني، لم تكن بالهينة على اللبنانيين، فمحاولات الاغتيال زادت بشكل كبير ولولا الاهتمام الزائد لكانت المقتلة أنهت حياة الكثيرين، من نواب وقياديين في 14 آذار.
تقدم التحقيق الدولي والمحكمة الدولية ببطء خلال هذه السنوات، وخسر اللبنانيون العديد من الشهداء، حيث سقطوا صرعى العبوات المجهزة والمتنقلة بين بيوت الناس وأحيائهم بانتظار فرصة صغيرة، فرصة كمثل التي قتلت بيار الجميل ووسام الحسن وانطوان غانم وجورج حاوي.
يوم استشهد جبران وقدمت الحكومة أوراق المحكمة الدولية إلى الأمم المتحدة خرج وزراء الأقلية من مجلس الوزراء لمنع هذه المحكمة من الإنشاء، لم ينته القتل ولم يتوقف. سقط الشهداء واحتلت الأقلية وسط بيروت بحثاً عن سبب لمنع قيام الدولة، واكتملت صورة الهجوم على العدالة في السابع من أيار عام 2008 حيث صار للسلاح المفترض وجوده لمقاومة العدو الإسرائيلي فرصة ليكون السبب في جر البلد إلى الحروب الأهلية، وصارت لعنوان هذا السلاح فروع أخرى، للتخويف كالقمصان السود، وللتهديد بتدمير البلد من جديد تحت مسميات "أيوب" والدفاع عن القرى السورية التي يسكن لبنانيون بعضها.
خلال انتفاضة الاستقلال كانت النقاشات تدور في إحدى الخيم في ساحة الشهداء، في ليلة الثامن والعشرين من شباط، ليلة اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي، سأل أحد الشبان ان كان السلاح هو الحل للمشاكل في لبنان، كان جواب الشبان الجالسين في برد تلك الليلة ان السلاح في الداخل لا يستعمله إلا المهزومون، وان تجارب الحروب الأهلية علّمت اللبنانيين أن لا يعودوا إلى الحروب مهما كان الثمن ومهما كانت الخسائر.
في تلك الليلة كان جبران، وغيره من مناضلي ثورة الأرز يقومون بنقل الطعام للمعتصمين المحاصرين بقرار من حكومة "الوصاية" عبر مبنى "النهار" وعبر سيارات بعض النواب. كان جبران بابتسامته التي تسبق سلامه يروي مع الناس أجمل افتتاحية كتبت في استقلال لبنان.
في شباط 2005، وخلال الأيام الأولى لانتفاضة الاستقلال كان مبنى "النهار" قبلة المنتفضين، في ساحة الشهداء خيم مفتوحة على البحر، وعلى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث يمكن لمن يعتلي منصة الخطابات رؤية القادمين للمشاركة في الانتفاضة من جهة منطقة بشارة الخوري أو من جهة بيت "الكتائب" المركزي في الصيفي أو حتى من جهة مبنى "النهار" ومن جانبي جسر الرينغ.
الصورة الأوضح من تلك المنطقة لرؤية الحشود اليومية المشاركة في ثورة الأرز، كانت من مكتب الشهيد جبران تويني في مبنى جريدة "النهار". حيث كانت تعقد الكثير من اللقاءات للبحث في النشاطات والأعمال التي ترفع مستوى التواصل اليومي لانتفاضة الشعب اللبناني. كان مكتب جبران وغرفة الاجتماعات الجانبية في كثير من اللحظات تخرقهما أصوات المؤمنين بالحرية والسيادة والاستقلال، بدلاً من الاجتماعات المتخصصة بتحرير الجريدة. كان الوقت للوطن قبل الأعمال الخاصة وهي واحدة من صفات جبران تويني طوال حياته.
في أحد اللقاءات في مكتبه وضع جبران عملاً موسيقياً كان ألّف في العام 1989 دعماً لرافضي الاحتلال السوري للبنان. هذا النشيد عزف مرة واحدة في أحد المسارح الفرنسية، أراد جبران المساهمة بما استطاع في هذه الانتفاضة ليكون الاستقلال ناجزاً، وأراد أن يعطي للسياديين تاريخه الذي بقي دوماً متمسكاً به كجزء من مستقبل وطنه.
مرّت انتفاضة الاستقلال كما تمناها كل من ناضل من أجلها، هادئة في شعاراتها وصاخبة في الحضور الجماهيري الذي تعدى مئات الآلاف." نجح الصوت وودّى" وكان ابن النهار جبران تويني واحداً ممن بنوا مرحلة جديدة في حياة اللبنانيين. مرحلة سياسية توّجت بالانتخابات النيابية التي سمحت ببناء أكثرية شعبية أوصلت أبناء الاستقلال الثاني إلى المجلس النيابي.
مرحلة الاستقلال الجديد ومنع الاغتيال السياسي كان يجب أن لا تتوقف، ولذلك اختار جمهور 14 آذار البقاء في حماية مشروع الدولة ومتابعة ملف المحكمة الدولية، فالحاجة إلى المحكمة لم تكن فقط من أجل الشهداء بل أيضاً من أجل المستقبل وحماية اللبنانيين من المجرم وعمليات الاغتيال التي يقوم بها.
الأعوام السبعة لم تنته، والانقلاب كان وقتها انسحاباً من الحكومة وتحول اليوم الى قبضة عسكرية تهدد ما تشاء، ومشهد الاغتيالات صار اقرب الى التناول، فمن استطاع كشف شبكة سماحة – مملوك اغتيل في وضح النهار وبشكل اتضح معه ان اي رأس جهاز أمني يحمي اللبنانيين من المجازر وعمليات القتل سيكون عرضة للاغتيال. تستمر المحكمة الخاصة من اجل لبنان في عملها، وهي بالتأكيد لن تتوقف، ولكن يبقى السؤال متى سيكون للمحاكمات وجلب الرؤوس المجرمة قدرة على وقف الاغتيال؟
في 12 كانون الاول 2005 استشهد جبران تويني وكان سبقه الشهيدان سمير قصير وجورج حاوي. وكانت محاولة اغتيال الوزير الياس المرّ والاعلامية مي شدياق. حدث التفجير في يوم مشمس تخلله الكثير من الشائعات المفبركة من حلفاء "شكراً سوريا الأسد" حول رحيل جبران تويني من لبنان وهروبه، عاد الرجل من سفره إلى منزله مقتنعاً بالبقاء مع ناسه في بيروت وكل المناطق اللبنانية، ليكون إلى جانب العاملين في الجريدة بحثاً عن الحقيقة وبحثاً عن وطن حرّ ومستقل. في ذلك اليوم المشمس تمّ تفجير سيارة جبران في طريقه من برمانا إلى مبنى النهار، كأنما كان عليه أن يعود من سفره الذي يشبه المنفى بعد حملة الشائعات المقصودة ليُقتل وتتناثر روحه في السماء والأرض ليزيد من صلابة ناسه ايماناً بوطنهم.