الترويج لتأثير التدخل السوري في الانتخابات يضعف مرشحي المعارضة ولا يقويهم
مزاج الناخب اللبناني يعاكس كل محاولات التدخل المعهودة
يحرص أتباع النظام السوري في لبنان وخصوصاً منهم الذين أصبحوا خارج التركيبة السياسية بعد انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، على الترويج لأخبار مضخمة عن مدى قدرة النظام المذكور على التأثير في مجرى الانتخابات النيابية المقبلة،
وفاعليته في تبديل موازين القوى السياسية القائمة لمصلحة حلفائه واتباعه، مستندين بذلك الى التبدلات الاقليمية والدولية التي طرأت في الآونة الأخيرة، بعد الانفتاح الفرنسي الذي حصل باتجاه سوريا وزيارة الرئيس نيقولا ساركوزي للعاصمة السورية واللقاء الذي حصل بين وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مع وزير الخارجية وليد المعلم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك·
ويشير هؤلاء الى جملة اجراءات اتخذها النظام المذكور، للدلالة على مدى اهتمامها بنتائج الانتخابات المقبلة، أبرزها اعادة تكليف رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري السابق في لبنان العميد رستم غزالي المشتبه به حسب تقارير لجنة التحقيق الدولية بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذي رقي أخيراً لرتبة لواء بملف الانتخابات النيابية منذ الآن، وتخويله صلاحية القيام بما يلزم من اتصالات ولقاءات مع المرشحين المحتملين لهذه الانتخابات والنافذين والمؤثرين، الذين لا يزالون ينشطون بالتحرك لمصلحة النظام السوري داخل لبنان، للتحضير ميدانياً وتهيئة الأرضية الملائمة للترويج لمرشحي النظام المذكور وحشد أكبر قدر من التأييد الشعبي اللازم لهم، لجمع ما يلزم لهم من أصوات تمكنهم من الفوز في الانتخابات المرتقبة·
ويعتبر هؤلاء الاتباع، ان إعادة تكليف رستم غزالي بهذا الملف، ينطلق من خبرته السابقة في إدارة الملف اللبناني برمته، والانتخابي على وجه الخصوص، وللاستفادة من شبكة العلاقات الواسعة التي يقيمهامع العديد من اللبنانيين، بعد السنوات العديدة التي أمضاها في مركزه في لبنان، ولا يزال على صلة بمعظم هؤلاء حتى اليوم، علي الرغم من مرور ثلاث سنوات ونصف على انسحاب الجيش السوري من لبنان، ولأن النظام السوري يعلق أهمية بالغة على نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، كونها تحدد وجه النظام السياسي الذي يحكم لبنان ويدير مفاصل السلطة ويؤثر بالقرار السياسي فيه، ويتولى إدارة العلاقات مع سوريا في المرحلة المقبلة، يهمه توفير ما يلزم من دعم سياسي وأمني مؤثر، وحتى مادي من مصادر مختلفة، لتأمين نجاح أكبر عدد من هؤلاء الاتباع بالانتخابات المقبلة، وبالتالي تبديل واقع الأكثرية المناهض حالياً لسياسة التدخل والهيمنة السورية التي كانت متبعة في لبنان، لصالح فئة مؤثرة تابعة للنظام السوري داخل المجلس النيابي الجديد، اذا لم يكن بالامكان تأمين فوز أكثرية موالية للنظام المذكور، في ظل التأييد الشعبي الواسع، الذي ما تزال تتمتع به القوى والتيارات السياسية المناهضة للتدخل السوري في لبنان حتى اليوم، بالرغم من كل محاولات التهويل والترهيب والاغتيالات التي طاولت شخصيات ورموز استقلالية في الفترة الماضية·
ولا يخفي هؤلاء الاتباع قلقهم من صعوبة خوض المعركة الانتخابية المقبلة لمرشحين تابعين للنظام السوري، خصوصا خارج مناطق
السيطرة التقليدية لحزب الله وحركة <امل>، وحتى في المناطق المسيحية التي اعطت تأييدا كاسحاً لرئيس التيار الوطني الحر النائب ميشال عون في الانتخابات السابقة، في ظل التبدل اللافت في مزاج جزء كبير من القاعدة الناخبة لهذه المناطق، لاستيائها ن الأداء المتردي لهذا التيار خلال السنوات الماضية، ان كان بالنسبة للتحالفات السياسية التي نسجها مع اطراف لبنانيين كحزب الله مثلاً، او للسياسات التي اتبعها في خصوص عدد من القضايا والاستحقاقات الوطنية والعلاقات الاقليمية والتي لا تتلاءم في معظمها مع المزاج الطبيعي لهذه القاعدة الناخبة، على الرغم من كل الإدعاءات المخالفة لهذا الواقع من قبل المتعاطفين مع التيار او حلفائه·
ويضاف الى ذلك، التبدلات في التحالفات السياسية القائمة حالياً، والتي لا تبشر بامكانية تكرار صيغة التحالفات الانتخابية التي حصلت في العام 2005، وخصوصا في المتن وكسروان وجبيل وبعبدا وعاليه، بعد ظهور نواة تحالفات سياسية وانتخابية جديدة في هذه المناطق، ارتسمت معالمها قبل وبعد الانتخابات الرئاسية، التي تولى النائب ميشال عون وكتلته المشاركة في قرار تعطيل اجرائها لاشهر عديدة، وبروز خلافات قوية بين حلفاء اليوم الموالين لسوريا علناً وسراً، وخصوصا بالنسبة لتقاسم المقاعد النيابية المسيحية، لا سيما في جزين ومرجعيون، بعد بروز رفض شبه قاطع لتبديل خريطة التوزيع السابقة لمصلحة مرشحي التيار الوطني الحر، لتعويضه عما يمكن ان يلحق به من خسائر لمرشحي تياره في مناطق نفوذه التقليدي·
ويبقى ان ما يروج له هؤلاء التابعين للنظام السوري وتكبيرهم لحجم وتأثير النفوذ السوري المرتقب في الانتخابات المقبلة، لا يعدو كونه من باب التمني والتهويل على خصومهم السياسيين، ولن يترجم ميدانياً، لان التأثير السوري من خارج الحدود، ومهما كان قوياً، لن يؤثر في تغيير توجهات الرأي العام اللبناني والناخبين، لا سيما وان معظم القواعد الشعبية كانت تناهض هذا التدخل، حتى اثناء وجود القوات السورية داخل لبنان، كما حدث في الانتخابات النيابية ما قبل الاخيرة، ولان اي مرشح يحمل السمّة السورية الموصوفة، سيقابل بردة فعل عكسية، خلافاً لما يتوهمه البعض·