.. وكما كان متوقعاً، لم يكذّب الروس الخبر المألوف عنهم: بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، أصدروا نفياً لتصريح نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف الذي أقرّ فيه بحقائق الوضع السوري. لكنهم هذه المرّة، لم يفعلوا سوى تأكيد المناخ العام والخاص، الشائع في ظاهر الدنيا، والمكبوت في الغرف المغلقة ودوائر صنّاع القرار أينما كان، والقائل باختصار مفيد وشديد وعنيد، انّ أيام بشار الأسد في موقعه صارت معدودة، وأنّ مشوار سلطته شارف نهايته، وانّ لبّ البحث الراهن هو تأمين أسرع طريقة ممكنة لوقف المذبحة الجارية وإتمام نقل سوريا إلى مرحلة جديدة.
ورغم النفي العلني، فإنّ المعطيات المتوفّرة لدى الروس، والتي نقلوها بأمانة (؟) إلى غيرهم، تفيد بأنّ رهانهم على الأسد وصل إلى درجة الصفر، وأنّهم تلقّوا منه إقراراً بواقع الحال الميداني، وبوصوله إلى حالة العجز عن إيجاد حل عسكري للثورة الناهضة ضدّه، وأنّه بالتالي يطلب التفتيش عن "حل سياسي"، أي بمعنى آخر وأوضح، يطلب مساعدته في "الخروج" ممّا هو فيه.
هذه "الحتميّة التاريخية" أنكرها صنّاع القرار في موسكو على مدى عشرين شهراً، وأدخلوا مع إنكارهم، الوضع السوري برمّته في لجّة دموية تُعدّ واحدة من أشنع ما شهده البشر في العقدين الماضيين، بل هم عملوا بدأب (!) على إشاعة نَفَس انتهازي مريض عن سياساتهم، ألغى وشطب الكثير من "الفضائل" التي يحتويها تاريخ تلك السياسات بالنسبة إلى منطقتنا وشعوبها وتحدّياتها.
"ديبلوماسية الصدمات" التي اعتمدها الوزير سيرغي لافروف باعتبارها احدى طرق ردّ الاعتبار لدور بلاده على المستوى العالمي، لم تصدم في واقع الحال، إلاّ صنّاعها، ولم تنتج إلاّ تهميشاً إضافياً وعملياً لذلك الدور. وهو في محصلته لم يترجم ميدانياً بالمعنى السلبي سوى في سوريا وعلى حساب شعبها، على حين أنّه، في إيران مثلاً، يماثل الدور الغربي ويتماهى معه في الموقف من الموضوع النووي!
وفي كل الحالات، كان النفي الروسي لتصريح بوغدانوف متوقعاً تبعاً للنهج اللافروفي المعتمد، حتى وإن كانت الحقيقة في مكان آخر بعيد عن النفي وقريب من التصريح الأول. وفي ذلك، يحتاج الأمر إلى شيء أبعد من التحليل السياسي لفهمه: يحتاج إلى القليل من السياسة والكثير من علم النفس.. وإلاّ كيف يمكن تفسير ذلك الأداء من دون ربطه بفوبيا الأكثرية الإسلامية التي بدأت ملامحها تتبلور في افغانستان، واستكملت في الشيشان، وتتجلى راهناً في سوريا نفسها.
في المحصّلة يبدو واضحاً، ان أضرار سلطة الأسد ليست عابرة للتاريخ فقط وإنّما للحدود: لم تكتفِ بتخريب ماضي سوريا وحاضرها وإرباك مستقبلها وإشغاله بتكنيس ذلك التخريب وإزالة آثاره، بل هو كشف رؤوس الروس وغيرهم، ودفعهم إلى الرهان بأثمان غالية على أحصنته الخاسرة.. أضرار ستكون طويلة الأمد، وذات بُعد استراتيجي، تماماً كمقدّماتها وأسبابها وصنّاعها في دمشق وموسكو على حدّ سواء!