الميليشيات الأخرى وعلى رأسها "المردة" مطالبة هي أيضاً بـ "الاعتذار"
"ثقافة الموت" ـ طبعة سليمان فرنجية
يتحمّل الوزير الأسبق سليمان فرنجية، وحده، مسؤولية أي طارئ أمنيّ يقع في المناطق المسيحيّة بعد حادثة بصرما.
فالمصالحة، كما سعت إليها »الرابطة المارونية« كان لها هدف محدّد: تجنيب الشمال المسيحي أي نقطة دم إضافيّة وختم الأحزان بحادثة بصرما، وعدم ترك الأحقاد تتوارث من جيل إلى جيل وتحصد شبّاناً في ربيع العمر، معظمهم ولد بعد سنوات من »مجزرة إهدن«.
كان للمصالحة هذا الهدف، ونسف المسعى إليها يطاول بالتحديد هذا الهدف، ويعرّض أمن واستقرار الشباب المسيحيّ في الشمال اللبناني للخطر. أما العنف اللفظي الميليشاوي الذي أتى به تصريح »النسف« فليس أقل من دعوة صريحة إلى القتل.
ما كان هدف المصالحة بين »المردة« و«القوات« مراجعة تاريخ الحرب اللبنانية ولا تبادل الاعتذارات والاعترافات ولا أي شيء من هذا القبيل. كان الهدف محدّداً: ترك الأموات يدفنون موتاهم، وترك الأحياء يعيشون. ليس يعني ذلك أن الماضي لا يراجع، وإنما لأجل تعبيد الطريق لهكذا مراجعة ينبغي التفلّت من استبداد الماضي الدامي والأليم بالحاضر والمستقبل.
في الماضي حدثت مجازر كثيرة. اختزال كل الماضي إليها، واختزالها إلى مجزرة دون سواها، وتحميلها لطرف دون سواه هو تحريض على ارتكاب مجازر جديدة، وتحريض ضد الحق في العيش حاضراً ومستقبلاً. هنا أيضاً تتجلّى المبارزة بين »ثقافة الحياة« و«ثقافة الموت« وفي موضوع المصالحة المسيحية ـ المسيحية »ثقافة الحياة« يمثّلها سمير جعجع و«ثقافة الموت« يمثّلها سليمان فرنجية الحفيد.
لكن يشاء الزمن الرديء أن يخرج علينا أحد أساطين »التأمّل التجاوزي في الماركسية« بصيغة من قبيل: »لا يزال اعتذار سمير جعجع عن الجرائم المنسوبة إليه وإلى القوات اللبنانية خلال حروب 1975 ـ 1990 يتوالى فصولاً ويعوق المصالحة المارونية«. إنه الديالكتيك في واحدة من لحظات.. ابتذاله! فواضع مثل هذه التخريجة ينسى مثلاً أنه شارك هو أيضاً في الحرب الأهلية، وأن الحرب الأهلية كناية عن سلسلة لا آخر لها من الجرائم، وقد يكون هناك »تفاوت في الشرّ« بين فئة وفئة، وهو تفاوت متبدّل النسب والأحجام حسب المراحل والمنعطفات، لكن ليس هناك حرب أهلية تدوم ستة عشر عاماً ويجتمع فيها كل الشرّ في ناحية، وكل الخير في ناحية أخرى.
ثم إن الحكم على المشاركين في الحرب الأهلية لا يفصل عن تطوّر خطابهم السياسي وأداؤهم السياسي ككّل بعدها. والحال أنه إذا ما قابلنا الخطابين السياسيين لسمير جعجع وسليمان فرنجية لاتضح جيداً أن خطاب الأول ينتقي مفرداته ومصطلحاته بشكل راقٍ وتحليلي ومتسلسل، ولا يلجأ إلى الشتيمة ولا إلى الإشاعة الرخيصة ولا إلى قذف المحصّنات، ويكشف عن إحاطة ثقافية واسعة، بل وعن بعد فلسفي لا يستهان به. هذا مع أن القائم بهذا الخطاب، سمير جعجع، من قادة الحرب.
وفي المقابل، نجد أن خطاب سليمان فرنجية هو أقرب ما يكون إلى اللغة الميليشياوية المراهقة. صحيح أن فرنجية يبرز بين الفينة والفينة استعداداً لافتاً للإقلاع عن هكذا لغة، ويلجأ أحياناً إلى الربط المنطقي الذكيّ في محاكاة واضحة للغة سمير جعجع، لكنه لا يستطيع المثابرة مطولاً على هذا النحو، وغالباً ما يقع إما في الشماتة بشهيد، وإما في التعرّض للزعيم الروحي لطائفته، فـ»مردة« القرون الوسطى كانوا جنود البطريرك، أما رئيس »تيار المردة« فيزيّن لنفسه أنه »بطريرك من نوع جديد« أو أحد بطاركة الكنيسة »النيو – نسطورية« التي يؤسس لها العماد ميشال عون، ربطاً بولاية الفقيه.
يتحدّث سليمان فرنجية أحياناً كـ »الكبار« لكنه بسرعة فائقة يهبط إلى حيث المراهقة السياسية و.. »آدابها«. نضوجه ممتنع. »المصالحة« كانت محكاً لجرأته على النضوج، لكنه فضّل بدلاً من ذلك »المقاولة« في نبش القبور، وكفتاة مراهقة تقطف أوراق الزهرة وتقول »يحبّني. لا يحبّني. يحبّني« تراه »يصالح. لا يصالح. يصالح. لا يصالح«. ربّما لأنه يجهل كلياً أنه بحاجة هو الآخر لتقديم اعترافاته واعتذاراته. كان هو أيضاً زعيماًَ لميليشيا، ووريثاً لميليشيا. بل إن »مردة« آل فرنجية نشأت في الأساس كـ »ميليشيا« في حين أن »القوات« نشأت كذراع عسكري لحزب سياسي، ثم كتجربة توحيد سياسي وعسكري قسريّ ومركزيّ لميليشيات مسيحية متعدّدة. و »المردة« أو »جيش التحرير الزغرتاوي« كانت إلى جانب الميليشيات المسيحية الأخرى في البدء، ثم تماهت مع الجيش السوريّ (مع أن »مردة« القرون الوسطى في المأثور الأيديولوجي الماروني هم قوم سلخوا نفسهم عن »سوريا« لتأسيس »لبنان«). بخلاف مردة آل فرنجية صار للقوات تاريخ. تاريخ موزّع على مراحل: الميليشيا بحروبها وانتفاضاتها الداخلية، ثم الميليشيا بانخراطها في مشروع السلم، ثم الميليشيا المتحولة إلى حزب سياسي سلمي، ثم التيار المضطهد والمحارب لـ11 عاماً متتالية، ثم الشريك المسيحي الأقوى للأكثرية الإسلامية السنية والدرزية في صناعة الاستقلال الثاني.
ليس هذا حال المردة. برهن سليمان فرنجية الحفيد عن حنكة سياسية في التسعينات، لكنه تسرّع وصرفها في خانة التسويق للعماد إميل لحّود رئيساً، ولم يكسب شيئاً يُذكر من ذلك عام 1998. شارك في معارضة التمديد في صيف 2004 ثم أنهال على من عارضوه واتهمهم بالعمالة والخيانة وصار وزيراً للداخلية بعد التمديد. وزير للداخلية يوم حدثت جريمة 14 شباط التي كان عليها أن تجتمع في ذاكرته مع شهداء مجزرة إهدن. لكنه بدلاً من ذلك قرّر الخروج أكثر فأكثر من »السياسة«.