كتبت فاطمة حوحو في صحيفة "المستقبل":
أرخت عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة ظلالها على الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار، التي كان من المنتظر ان تعاود غداً الاربعاء استضافة قوى سياسية وأحزاب غادرت أماكنها لفترة اثر اختلافات في وجهات النظر، بعضها يتعلق بالتكتيكات السياسية التي اعتمدت من قبل بعض القوى في مراحل حساسة ومنها على سبيل المثال لا الحصر "اتفاق الدوحة" وأخرى تتعلق بإشكاليات تنظيمية، منها عدم تمثيل قوى المجتمع المدني والذي كان أساساً في بنيان 14 آذار اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إلا ان الأمور كما يبدو تحتاج إلى مزيد من الترتيبات الداخلية الحزبية من قبل حزبي "الكتائب" و"الكتلة الوطنية" على وجه التحديد وإلى قرارات تتخذ على صعيد قيادة الحزبين لتسمية مندوبيهما إلى اجتماعات الأمانة واللجان المنبثقة عنها.
إذاً، العواصف التي عبرت بالشجرة التي زرعتها 14 آذار في أرض لبنان تحت شعار الحرية والاستقلال والعدالة وان استطاعت كسر بعض أغصانها، إلا انها لم تمنع ثمارها من النضوج، فالسنة المقبلة ستكون مختلفة مع انطلاقة أمانة 14 آذار الجديدة والتي يؤمل في أن تحقق نجاحات سياسية بعد ترتيب بيتها الداخلي، وستكون أبرز تأثيراتها في الانتخابات النيابية.
وبذلك تكون أمانة 14 آذار قد تجاوزت قطوعاً هاماً في حال اتفقت بعد الانجاز التنظيمي على العناوين السياسية والاستراتيجية التي ستتبع اثر سقوط النظام السوري، وتحديد عناوين خطة العمل لتطبيق الشعارات التي لا بد ان توضع لتحقيق ما طرحته سابقاً في أدبياتها في طريق "العبور إلى الدولة" ومواجهة مشاريع الفتن الطائفية التي ترسم في الخارج وكيفية بناء التحالفات الانتخابية مع رئيس جبهة "النضال الوطني" وليد جنبلاط الذي ما زال يعتبر نفسه راهناً وسطياً وكونه تقدم خطوة نحو 14 آذار في مواقفه ضد النظام السوري والتي من المفترض ان تتبعها خطوات لاحقة وفق التطورات التي يدرك جنبلاط انه عليه دراستها والانعطاف في الوقت المناسب.
على أية حال، يمكن القول إن منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد نجح من خلال لقاءاته بالرئيس أمين الجميل والنائب سامي الجميل والتي شاركت فيها قيادات كتائبية، وعميد حزب "الكتلة الوطنية" كارلوس اده، وحيث جرت اجتماعات أخرى لم يتم التداول بها إعلامياً، ومع حركة "التجدد الديموقراطي" التي كما يبدو تحتاج إلى وقت إضافي من أجل إعلان عودتها إلى الأمانة العامة رغم انها حسب بيانها على علاقات "تواصل وتعاون جيدة".
وفي الإطار نفسه، يرى البعض ان الخلاف ليس تنظيمياً، بقدر ما هو اختلاف في وجهات النظر السياسية ولكون هذه الأحزاب انسحبت من الأمانة العامة، لانها لم تكن موافقة على بعض الطروح، فالكتائب توقف منذ ثلاث سنوات عن المشاركة على خلفية رفضه لـ"الأخطاء البروتوكولية" في تنظيم دعوات الحضور، إلا انه كان واضحاً ان "الكتائب" تمايز في مواقفه السياسية عن 14 آذار من قضايا عدة منها الحوار والموضوع السوري والحكومة ودعوته إلى اللامركزية الإدارية.
والمعروف ان حزب "الكتلة" قاطع الاجتماعات لعدم موافقته على ما جاء في اتفاق الدوحة، في حين أن حركة "التجدد الديموقراطي" غادرت لعدم موافقتها على التحالفات الانتخابية التي جرت العام 2009.
ويقول نائب رئيس "حزب الكتائب" سجعان القزي لـ"المستقبل" ان موضوع الخلاف مع أمانة 14 آذار أصبح وراءنا، وان مشاركتنا في اجتماع الغد لن يحصل ليس لأسباب خلافية وانما لاننا لم نحدد بعد أسماء مندوبينا، ونحن قدمنا ورقتنا التنظيمية ونريد فتح صفحة جديدة، وفي السنة المقبلة سنحضر اجتماعات الأمانة العامة".
اجتماعات عقدت بين سعيد وقيادات كتائبية مهدت لإعلان عودة حزب "الكتائب" إلى الأمانة العامة، ويوضح القزي في هذا الإطار ان "هناك ثلاث مراحل مرت بها الاتصالات على هذا الصعيد، أولاً جرى لقاء بين سعيد والرئيس الجميل، تسلم سعيد خلاله ورقة العمل الكتائبية والتنظيمية التي تضمنت مقترحات تطال هيكلية الأمانة العامة، وكان الكلام بنّاء، ثم جرى لقاء بين الجميل والنائب سامي وسعيد وتم الاتفاق على إقامة علاقات ثقة ومحبة بين الحلفاء والمرحلة الثانية هي حصول 3 اجتماعات بين وفد من الأمانة العامة برئاسة سعيد مع قيادات كتائبية شاركت أنا فيها وتم خلالها وضع تصور عملي للأمانة العامة لـ14 آذار واتفقنا على نقاط عدة ، منها انه ليس من الضروري ان نعلنها، حتى لا يشعر أي فريق بأنه حقق مكسباً على حساب فريق آخر، والمرحلة الثالثة هي مرحلة تتويج هذه الاتصالات عندما زار سعيد الأسبوع الماضي الرئيس الجميل في بكفيا وفي حضوري وكان نوع من تثبيت استئناف نشاط الكتائب في الأمانة العامة".
أما عن التوقيت، فيقول: "مبدئياً نحن بصدد اختيار المندوبين واستئناف النشاط في مطلع السنة الجديدة، ونحن ننظر بايجابية إلى التعاون مع 14 آذار والتي نأمل ان تكون على مستوى تطلعات الشعب وثورة 14 آذار وفي خدمة الثوابت والدينامو المحرك لنشاطات ثورة الأرز وتفعيل قراراتها وترجمة نضالها على مختلف الأصعدة وان تكون الملتقى ما بين الأحزاب الأساسية والمجتمع اللبناني".
ويرى ضرورة في العودة إلى "بيان 14 آذار الأخير حول الأولويات في العمل السياسي والتي يمكن تلخيصها بصون السيادة والاستقلال وتحييد لبنان ومنع امتداد الأزمة السورية إليه والحؤول دون حدوث فتنة طائفية والاستمرار في طرح مشروع بناء الدولة، وتطبيق القرارات الدولية. كما أن هناك أولويات مرحلية ومنها تغيير الحكومة ووضع قانون انتخاب جديد ومواصلة البحث في الاستراتيجية الدفاعية التي تضع حداً لمشكلة السلاح".
ويشدد القزي على أن "لا خلاف سياسياً مع 14 آذار وإنما هناك اختلاف في بعض المواقف السياسية بين كل مكوناتها وهذه الاختلافات كانت وستبقى مصدر قوة وليس مصدر ضعف، فالتنوع والتعددية وحدة متكاملة ولا يتصور أحد انه سيتم التراجع عن ثوابت اتفقنا عليها سنة 2005 ويمكن اختصارها بشعار "لبنان أولاً". لافتا الى أن "نظرة "الكتائب" إلى 14 آذار ليست نظرة انتخابية على الاطلاق، بل ميثاقية، فنحن نستطيع ان نجلس مع "القوات" و"الأحرار" و"الكتلة" فنحن وإياهم حلفاء منذ زمن، ولكن ما يهمنا في 14 آذار هو البقاء في التحالف الوطني التاريخي مع "تيار المستقبل" الذي يجسد الوحدة والتعايش ولبنان الكبير والوطن النهائي".
من جهته، يؤكد مستشار عميد "الكتلة الوطنية" مروان صقر ان "التواصل مع الأمانة العامة لـ14 آذار مستمر، إلا انه حتى الآن لم يتخذ قرارا بتمثيل الحزب لأسباب إدارية داخلية متعلقة بالحزب، إذ لا بد من إجراء تنظيمي يقضي بتكليف مندوبين لمتابعة اجتماعات 14 آذار ومن حيث المبدأ قد يكون هناك تمثيل بالمداورة بين بعض الأشخاص من الحزب".
ويوضح انه "جرت جلسة طويلة بين الدكتور سعيد والعميد اده الذي التقى ايضا النائب سامي الجميل وتم خلال اللقاءين طرح موضوع عودة مشاركة "الكتلة" والاتفاق على معظم النقاط الخلافية، ونحن سنضع النقاط موضع الخلاف وراءنا"، مذكراً بأن "الكتلة" انسحبت من اجتماعات الأمانة العامة اثر اتفاق الدوحة وهي كانت رافضة لترشيح قائد الجيش لرئاسة الجمهورية وكنا ضد تحويل قيادة 14 آذار إلى قيادة رباعية، وفي ما بعد ثلاثية، أي في البداية كانت مستقبل تقدمي قوات كتائب ثم تحولت مستقبل قوات تقدمي قبل أن يخرج جنبلاط من صفوف 14 آذار إلى ما سمّاه "الوسطية". لقد انتقدنا انقطاع 14 آذار عن حركة المجتمع المدني، ما أدى إلى ضياع وتناقضات لدى جمهور 14 آذار تمثل في حصول تقدم وتراجع هنا وهناك"، مضيفاً: "الآن نشعر بوجود جو جدي وبأن هناك إعادة نظر بكل هذه المسائل وهذا مشجع".
لم يكن لـ"الكتلة" مواقف متباعدة كثيراً عن 14 آذار خلال فترة ابتعادها عن الأمانة العامة وهذا ما يبدو جلياً في بياناته، ويقول صقر في هذا الإطار: "لا لم نأخذ أي مواقف ضد 14 آذار في الأحداث الكبيرة كنا نشارك معهم، فنحن من المؤسسين ولو حصل تباين في وجهات النظر، إلا انه لا مشكلات شخصية مع الأمانة العامة، بل على العكس فالعلاقات الشخصية مع أعضائها ممتازة وعلى ما يرام، وهي علاقات صداقة ولا خلافات شخصية. نحن خضنا الانتخابات سوية، ولا يعنينا ما يصدر في وسائل الإعلام، وقد أطلعنا على ورقة الكتائب ونحنا ندعو إلى ربط القيادة بالمجتمع المدني حتى لا تتحول 14 آذار إلى ناد مغلق، واليوم نرى اتجاهاً جدياً للعودة إلى ما كانت عليه في الأساس، وليس لدينا اعتراض على ورقة الجميل، في الخطوط العريضة هناك تفاصيل إدارية يجب متابعتها".
ويشدد صقر على ان "صورة 14 آذار تضررت كثيراً بعد 2006 وقد استفاد الأخصام السياسيون من تناقضاتها ولم يكن هناك تشاور مع قوى كانت في أساس الرابع عشر من آذار وكانت هناك قرارات تتخذ من قبل بعض الأحزاب وتلحق ضرراً بصورة 14 آذار، اليوم هناك هيكلية تنظيمية قيد البحث ومن اليوم فصاعداً يجب عدم تكرار الأخطاء الماضية". "الكتلة" قد تبحث في اجتماعها المقرر غداً (اليوم) في أسماء ممثليها في الأمانة العامة وإذا تبلورت الصورة لدى القيادة الحزبية فلا يبقى سوى ان يتم إعلان ذلك".
ويشير صقر إلى انه "لا يجوز خوض الانتخابات المقبلة في حالة تضعضع، لذا لا بد من وضع خطة كاملة للتقدم على أساسها للجمهور للفوز، وبالطبع 14 آذار ستفوز إذا وضعت مشروع حكم متكاملاً وعملت لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية وحددت خطة عملها وقدمت أفكاراً واضحة ونحن على أبواب تغييرات إقليمية سيكون لها إنعكاس على لبنان، كما ان وضع خطة عمل واضحة لـ14 آذار سينعكس على الرأي العام اللبناني بالتأييد وسيترجم في الانتخابات".
وإذا كان حزبا "الكتائب" و"الكتلة" قد اتخذا قرارهما بالعودة إلى الأمانة العامة، فإن حركة "التجدد الديموقراطي" ما زالت تنتظر وتراقب ما قد تؤول إليه الأمور، لتتخذ قرارها الذي يبدو مؤجلاً في الوقت الحالي، ريثما يتأكد لها ان التغييرات الموعودة ستحصل وسيكون لها تأثير ايجابي، إلا ان ذلك لا يعني وجود "زعل" مع أمانة 14 آذار، بحسب مصادر في الحركة التي أكدت رفضها مبدأ "الشمولية"، موضحة انها "لم تطلّع على ورقة الجميل وانها تفضل العمل من خارج المؤسسة".
ويؤكد أمين سر حركة "التجدد الديموقراطي" انطوان حداد ان "لا مشكلة صلة أو اتصالات مع أمانة 14 آذار، فنحن نجري لقاءات مع كل القوى الممثلة فيها، كما اننا التقينا النائب سامي الجميل وعلاقاتنا جيدة بالجميع، نتواصل ونتعاون في كل القضايا المطروحة ونجري لقاءات تقويمية، لكننا خارج إطار الهيكلية التنظيمية لـ14 آذار".
قد تكون الأيام الباقية من السنة الحالية فرصة للتشاور من جديد بين قوى الرابع عشر من آذار لإجراء المزيد من الاتصالات للوصول إلى صيغ توحيدية وقد تأتي التطورات لتعيد كل فرقاء ثورة الأرز إلى اللقاء من جديد تحت سقف الأمانة العامة بمن فيهم المؤسسون الذين نحوا أخيراً نحو الاستقلالية أو "الوسطية". وان كانت أسباب الابتعاد مختلفة، فإن المعركة الانتخابية المقبلة ستفرض على الجميع توحيد الصف وإزالة أسباب الخلافات العلنية أو المخفية، والاتفاق على خطة تواجه من خلالها تحديات المرحلة المقبلة لتحقق إنجازات يحتاجها الجميع.