قرعت أجراس دير سيدة البلمند إيذانا بانتخاب مطران أوروبا الغربية المتروبوليت يوحنا اليازجي بطريركا جديدا لانطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، خليفة للقديسين بطرس وبولس، وخلفا للبطريرك الراحل إغناطيوس الرابع هزيم.
وشكل انتخاب اليازجي، وهو البطريرك الـ 158 للكرسي الانطاكي، والذي سيحمل اسم «يوحنا العاشر»، مفاجأة لكل الاكليروس والعلمانيين المتابعين، خصوصا أن اسمه لم يكن مطروحا بين المرشحين المحتملين لكونه لم يكمل خمس سنوات على رسمه متروبوليتا (4 سنوات و8 أشهر) كما ينص القانون، إلا أن «تدبيرا كنسيا مترافقا مع الهام إلهي»، بحسب أحد المطارنة، دفع أعضاء المجمع الانطاكي المقدس الى تعديل القانون وافساح المجال أمام جميع المطارنة للترشح، وذلك من أجل توسيع دائرة الاختيار وعدم حصرها بأشخاص محددين.
ويمكن القول ان التحالف الانطاكي الممتد من سوريا الى لبنان وفلسطين والخليج وصولا الى إنطاكيا والذي يضم المطارنة الأقدم رسامة وأولئك المؤسسين لـ«حركة الشبيبة الأرثوذكسية» والعاملين فيها، قد فرض نفسه في التنافس الانتخابي الديموقراطي، مقابل تحالف بعض أبرشيات الغرب وسوريا.
وبدا واضحا أن توجه «التحالف الانطاكي» كان الاستمرار في الخط الذي رسمه البطريركان الراحلان إلياس الرابع وإغناطيوس الرابع اللذان وضعا أسس نهضة الكنيسة الأرثوذكسية، فاختار مطارنة هذا التحالف «يوحنا العاشر» من خارج جدول المرشحين، وهو وإن كان يعتبر من مطارنة الغرب، لكنه في الوقت نفسه يشكل نقطة التقاء بين الجميع، ومساحة مشتركة بين الجيل القديم للمطارنة والجيل الجديد، ويلبي طموحات «تيار الكنيسة» و«حركة الشبيبة الارثوذكسية»، خصوصا أنه تربى على فكر البطريرك الراحل إغناطيوس الرابع ورفيق دربه الطويل المطران جورج خضر.
ويقول أحد المطارنة «ان المنتصر في هذه الانتخابات هو وحدة الكنيسة الأرثوذكسية، والفكر النهضوي، خصوصا أن البطريرك الجديد ابن اللاذقية، ويعرف لبنان وسوريا حق المعرفة، وهو رجل سلام وحوار، ويؤمن بأن الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية تمتد من إنطاكيا الى الأميركيتين، كما أنه قادر بحكمته على مواجهة الظروف السياسية الصعبة التي تعيشها المنطقة العربية وفي مقدمتها سوريا».
كيف وصل البطريرك الجديد الى سدة الكرسي الانطاكي؟
عند العاشرة من صباح أمس التأم عقد المجمع الانطاكي في دير سيدة البلمند، بمشاركة 18 مطرانا من أصل 20، حيث غاب مطران أميركا الشمالية فيليبس صليبا، ومطران بغداد قسطنطين بابا ستيفانوس بداعي المرض.
ومع وصول المطران الياس عودة الى الدير، أغلقت الأبواب البلمندية على خلوة استمرت زهاء ثلاث ساعات، منع خلالها أي كان من الدخول، واستهلت بالصلاة عن روح البطريرك هزيم، وأن «يلهم الله مطارنة الكرسي الانطاكي الاختيار السديد».
ثم كانت جلسة تشاور جرى خلالها البحث في إجراء الانتخابات أو تأجيلها في انتظار ما ستؤول إليه الأمور الأمنية في سوريا، لكن الأكثرية الساحقة كانت مع إجرائها، فسقط احتمال التأجيل سريعا، وانتقل الجميع الى العملية الانتخابية.
وتقضي آلية الانتخاب، بأن يسمي كل مطران ثلاثة أسماء من المرشحين (ويحق للمطران أن يسمي نفسه) ومن ثم يصار الى انتخاب واحد من هؤلاء الثلاثة، فاذا حصل على ثلثي الأصوات يعتبر فائزا، وإذا لم يحصل، تعاد العملية الانتخابية بينه وبين المرشح الذي حل في المركز الثاني. ومن ينل الأكثرية منهما ينصب بطريركا.
مع بداية الجلسة الانتخابية، وافق المطارنة على اقتراح تعديل القانون الكنسي، وقضى هذا التعديل بفتح الباب أمام الجميع للترشح وعدم اقتصار ذلك فقط على من أمضى أكثر من خمس سنوات مطرانا.
وفي المرحلة الأولى، من التصويت السري، سمى المطارنة كلا من: يوحنا اليازجي (أوروبا الغربية) أنطونيوس الشدراوي (المكسيك) وسابا إسبر (القائمقام البطريركي ومطران حوران وجبل العرب).
وفي المرحلة الثانية من العملية الانتخابية، تبين أن استمرار المطرانين اليازجي وإسبر في الترشح وهما ينتميان الى «التحالف الانطاكي»، سيؤدي الى توزيع أصوات الكتلة الناخبة بينهما، الأمر الذي قد يصب في مصلحة المطران الشدراوي، لذلك بادر المطران إسبر الى إعلان انسحابه، لتنحصر المنافسة بين اليازجي والشدراوي.
وبعد الاقتراع وفرز الأصوات تبين فوز اليازجي بـ 12 صوتا، مقابل خمسة أصوات للشدراوي، في حين نال إسبر صوتا واحدا.
وعلى الفور، خرج أمين السر للمجمع الأب جورج ديماس وأعلن عن انتخاب يوحنا اليازجي بطريركا جديدا للكرسي الانطاكي خلفا للبطريرك الراحل إغناطيوس هزيم، لافتا الانتباه الى أن الدوائر البطريركية ستتولى إعلان الترتيبات الرسمية لحفل التنصيب واستلام العصا الرعائية، وذلك وسط قرع الأجراس والزغاريد والتصفيق.
بعد ذلك انتقل المطارنة يتقدمهم البطريرك «يوحنا العاشر» الى كنيسة الدير على وقع ترتيل جوقة البلمند، حيث ألبس الثياب الكهنوتية، وترأس صلاة الشكر، وألقى عظة أكد فيها أن الانجيل بصلواتنا سيبقى مفتوحا، داعيا الآباء الى الدعاء كي نكون يدا واحدة، ولنجعل من كنيسة انطاكيا الصورة التي تليق بعروس المسيح والكنيسة، وقال: نحن ندرك ان شعبنا طيب، وخدمته لذيذة وعذبة على قلوبنا، ونحن من هذه الارض، من هذه البلاد، بلادنا ترابنا جزء منا ونحن جزء منها».
وختم مشددا على الوحدة، وعلى التعاون من أجل الخدمة، شاكرا المطارنة على ثقتهم، مؤكدا سعيه الدؤوب لبناء كنيسة جميلة عروسة للجميع.
ثم انتقل البطريرك اليازجي الى معهد اللاهوت، وكان أول المهنئين نائب رئيس الحكومة السابق عصام فارس الذي اتصل به من الخارج، وأوفد العميد وليام مجلي لتقديم التهنئة، كذلك رئيس جامعة البلمند الدكتور إيلي سالم، وعدد من عمداء الكليات، كما حضر النائب روبير فاضل الذي قال ان اليازجي «يتمتع بصفات الشباب والعلم والثقافة والتقى والانفتاح»، وأن نصفه لبناني ونصفه سوري، مؤكدا أن هذه الصفات ليس من السهولة أن نجدها بسهولة.
من جهته، قال القائمقام البطريركي سابا إسبر لـ«السفير»: لقد تمت عملية الانتخاب بسلام ومحبة، وبسلاسة متناهية جدا.
ورأى إسبر أن وسائل الاعلام حمّلت العملية الانتخابية أكثر مما تحتمل، وهذا أثار لغطا كبيرا حولها، نافيا حصول معركة على النمط السياسي، مؤكدا أن العملية الانتخابية تمت بكل مسؤولية.