من قال ان أيام البوسطجي لن تعود؟ هي سابقة بالتأكيد. سابقة لم تحصل حتى في المكسيك أو كولومبيا، أو في أكثر الدول التي يسرح فيها المهرّبون والقتلة على هواهم. احتجاز نواب "14 اذار" في منازلهم خشية تعرضهم للاغتيال! اليست هذه وقاحة؟! بمعنى آخر وعينك بنت عينك، يجول نواب ووزراء "8 آذار" على كيفهم، ويسرحون ويمرحون ويتسوّقون ويعيشون أجواء الميلاد، ويفعلون ما لذ لهم وطاب، ويقومون أيضا بجولاتهم الانتخابية، ولا من يراقبهم أو يرصد تحركاتهم أو يتربّص بهم، ولا يخشون ذلك حتى في خيالهم لانهم يعرفون ان آلة القتل لا تستهدفهم، وهم بالعكس محميون من تلك الالة بالذات!! والله هذه مفارقة.
مفارقة لا تحصل حتى في أعتى الدول ديكتاتورية أو فلتانا. هي ظاهرة لو حصلت في أي بلد اوروبي مثلا، لشكلت فضيحة الفضائح ولقلبت السلطة وأطاحت برؤساء ومسؤولين، والاطاحة هنا ليست بالاغتيال طبعا، فهذا امتياز خاص بلبنان وممنوع سلبنا الملكية الفكرية، انما الاطاحة تكون باقصائهم عن السلطة، لكن في لبنان المذنب أو القاتل، يكافأ بأن يُمنح المزيد من الحرية والسلطات والامتيازات، والمُهدَد يُمنح المزيد والمزيد من العقوبات، وأولها وليس آخرها الاحتجاز القسري غير الرسمي!!
قد يقول قائل انه احتجاز اختياري. في الظاهر نعم، لكن في العمق لا. علماً ان القاتل في لبنان "ديمقراطي" ترك لضحاياه حرية الخيار، فاذا أحب التنقلات والازدراء بالتهديدات الجدّية، ففي كل خطوة له احتمال خطر التعرّض للموت وبطريقة مميزة أقلها رشق من الرصاص، وأهمها واكثرها تمايزا، التحول الى أشلاء تتطاير من منطقة الى اخرى. اما اذا فضّلت الضحية المفترضة سياسة الحذر فتبعد عنها قليلا احتمالات الخطر، وان كان المثل الشعبي يقول "يللي إلو مدّة ما بتقتلو شدّة"، لكن الى متى سيبقى هؤلاء محتجزين؟ هنا السؤال.
نواب "14 اذار" اتخذوا جانب الحيطة والحذر الشديدين حتى في الاتصالات. ليس أجمل من العودة الى التراث، الحمام الزاجل، المراسلات، "يا مرسال المراسيل خدلي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي" ما يعني عادت أيام العز أيضا للبوسطجي، وعادت لهفة تمزيق المغلف لمعرفة مضمون الرسائل، وان كانت ليست مراسيل غرام ولا هي مناديل حرير، انما مجرد اشارات لتحديد أماكن اللقاء. اذن القاتل يحب التراث أيضا، مِزْوِق! علما ان المسؤولين الذين صاروا "بيتوتيين" رغما عن ارادتهم، اكتشفوا من جديد دفء العلاقة العائلية والالمام بتفاصيل البيت، وهنا اضافة جديدة "لمميزات" القاتل، فهو يحب الالتزام بالعائلة، ومن يدري قد يتخرّج هؤلاء المسؤولين المحتجزين، طباخون بدرجة ممتاز، أو ربما روائين وأدباء ورسّامين، ولم لا قد يحيّكون كنزات شتاء دافئة للاحفاد والابناء وهم يغزلون السياسة…
صحيح ان بوسطجي "14 آذار" لا يعتمد الدرّاجة الهوائية ولا الدابّة بطبيعة الحال، لكنه يحمل رسالة عابرة لكل المسافات والحاوجز أهم ما فيها، ان لبنان وصل الى الحضيض الحضيض لناحية الامن والامان فيه، وان القاتل في لبنان، هو ضابط ايقاع حياة المواطنين ما لم يتفقوا مع سياسته وأهوائه. والانكى من كل ذلك، حين يعترف وزير الداخلية مثلا، بانه عاجز عن حماية الشخصيات، تصوروا دولة تدّعي انها دولة عاجزة عن حماية ابنائها، "جبنا الاقرع ت يشجّعنا وكشّف ع القرعة وفزّعنا"، طيب الى أين المفر؟!
حقيقة هو بلد العجائب. والعجائب تتوالى لدرجة انها خطفت منا الدهشة، ذاك الشعور الطفولي الجميل. ولعل الدهشة الوحيدة التي قد نعود ونشعر بها، حين نعرف ان حظر الحياة رُفع عنا، وان الخطر زال، وان بامكان اللبنانيين، بعضهم، التنقّل بحرية والعودة الى حياتهم الطبيعية وان كانوا متناقضين في الافكار والانتماءات السياسية. هذه دهشة، هذه أحلى الهدايا التي ممكن ان نتلقاها في مناسبة الاعياد، الا يقولون إن عيد الميلاد هو ملفى الحلم؟ فلنحلم…
