في انتظار التعديل…
أياً تكن طبيعة الاهداف الكامنة وراء الضجة المفاجئة حول صلاحيات نائب رئيس مجلس الوزراء، فإن توقيتها لم يكن موفقاً، وكذلك الأسلوب. ومن الطبيعي أن يكون اللواء المتقاعد عصام ابو جمرا ملتزماً أجندة "رئيسه المباشر" رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون وتعليماته، في كل موقف يدلي به او في كل خطوة سياسية يقدم عليها، سواء تعلق الأمر بالغمز من قناة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والتهجم عليه، او بخطوة الانسحاب من إحدى جلسات مجلس الوزراء، وقد دفعت به الى الصفحات الأولى في وسائل الاعلام، وبدت منسّقة واستعراضية بامتياز، بمجرد أن أعلن ابو جمرا نفسه أنها لا تعني انسحاباً من الحكومة وليست مقاطعة ولا بداية اعتكاف، مع العلم ان الحملة الحالية كانت قد استبقت بأخرى تولاها النائب عون وكانت تحت عنوان صلاحيات رئيس الحكومة، لا نائبه.
ولئن يكن من الإنصاف عدم تجاهل حق نائب رئيس مجلس الوزراء أو غيره في المطالبة بصلاحيات لهذا المنصب بحيث لا يبقى "منصب شرف"، فإنه في الوقت نفسه من غير المنطقي تجاهل الدستور الذي لا يلحظ المنصب ولا صلاحياته – وهذا خلل بالتأكيد – وان أي تغيير في هذا الصدد يستلزم تعديلاً دستورياً. وبهذا المعنى، فإن الحملة سواء شنّت على رئيس الحكومة او على غيره، لا تأتي بالحل المطلوب ولا تعالج الخلل. من هنا اعطاء البعض هذه الحملة الطابع الانتخابي والسعي وراء "انتصارات وبطولات وهمية" عشية الانتخابات النيابية وتقديم اصحاب الحملة انفسهم "حماة حقوق المسيحيين". هذا ما يقوله خصومهم السياسيون. وأما الحلفاء، فيدركون بدورهم ان المسألة دستورية بحتة، وليست من عنديّات رئيس الحكومة او اي مسؤول آخر، لذلك فان مواقفهم لم تتعدّ حدود المجاملة والمساندة المعنوية.
واذا كان من حق نائب رئيس مجلس الوزراء تسجيل موقف "استعراضي" من خلال الإنسحاب من احدى جلسات مجلس الوزراء كما فعل أبو جمرا احتجاجاً على عدم ادراج الموضوع بنداً في جدول الاعمال، فإنه يدرك تماماً، وبلا أدنى شك، ان ليس هذا هو السبيل الأفضل لتعديل الدستور بل ان الطريق الطبيعي لهذه الغاية، هو مشروع اقتراح لتعديل الدستور من رئيس التكتل النيابي الذي اقترح ابو جمرا لهذا المنصب وكان وراء تعيينه فيه. ولا بأس إذا تم تعديل الدستور لحل المشكلة الراهنة أو أي مشكلة أخرى محقة أو مشابهة. وأما استمرار التصويب على رئيس الحكومة وتحميله مسؤولية عدم وجود هذه الصلاحيات، فيعطي السجال طابعاً شخصياً ويفسح في المجال أمام الخصوم للحديث عن "القنابل الدخانية" و"الانتصارات الوهمية" وما شابه. وفي استطاعة من يريد، ايجاد أسباب كثيرة لتبرير مثل هذا التصويب الذي يصبح في محله تماماً، إذا اتخذ الرئيس فؤاد السنيورة موقفاً ضد تعديل الدستور عندما يطرح في المكان المناسب، أي في مجلس النواب. وحينذاك يصبح الهجوم مشروعاً على كل من يقف في وجه أي تعديل دستوري محق وضروري.
وفي انتظار تحقيق مثل هذه الخطوة، في استطاعة نائب رئيس مجلس الوزراء أن يضطلع بدور أساسي كما سبق ان فعل اسلافه في حكومات سابقة وفي طليعتهم ميشال المر وعصام فارس، حيث بدت المكاتب والمقار من التفاصيل التي لا تأتي بمراكز ولا تعطي صلاحيات. وكل خطوة خارج اطار السعي الى تحقيق الصلاحيات من خلال الطرق الدستورية والمؤسسات، ستبقى ناقصة وتضع الضجة المثارة حول الصلاحيات "واجهة" لغايات ومآرب شتى. وما ينطبق على نائب رئيس مجلس الوزراء قد يصح أكثر بكثير على نائب رئيس مجلس النواب وينسحب على مواقع ارثوذكسية أخرى، وكلها تحظى باهتمام سائر "أرثوذكسيي الشرق ومسيحييه" وفي طليعتهم البطريرك اغناطيوس الرابع والمطران الياس عوده، وبنسبة لا أقل على الاطلاق من اهتمامات "المطارنة الجدد" في السياسة وغيرها، وما أكثرهم في
هذا الزمن!
وأخيراً، هل ما يمنع "دولة نائب الرئيس" أبو جمرا من التنسيق مع "نظيره" في مجلس النواب "دولة نائب الرئيس" فريد مكاري بحيث تصبح الامور أكثر جدية وفاعلية، وتتسم بالطابع الوطني بعيداً من الخلافات السياسية؟ لِمَ لا؟