في الوقت الذي كانت الطائرة التي نقلت وزير الداخلية السوري محمد الشعار من دمشق تحط في مطار رفيق الحريري الدولي هذا الأسبوع، كانت الطائرة التي سافر على متنها مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار الى أوروبا تذهب وتعود من دون أن يكون الشعار من ركابها العائدين الى الوطن. انها مفارقة بلا ريب أن يشعر بالامان في لبنان الوزير السوري الذي فقد الأمن في عاصمة بلاده بعد الانفجار الذي استهدف وزارته وكاد أن يكون من الضحايا، فيما يغادر رجل الدين البارز والشيخ الجليل وطنه بعدما فقد الأمان فيه طلباً للسلامة في قارة أخرى.
قد تكون المفارقة محدودة لولا المعلومات الخطيرة التي أدلى بها مواطن سوري استطاع الفرار من جحيم بلاده وأماط اللثام عن معطيات محاولة الاغتيال التي كان يعتزم النظام السوري ان ينفذها بحق المفتي الشعار. وبالتالي فإن وزير داخلية هذا النظام الذي يدبّر الاغتيالات لرجالات لبنان يجد نفسه آمناً في مسرح الموت الذي يديره في البلد المجاور لبلده الذي أصبح مسرحاً لصراع البقاء بينه وبين شعبه.
الوزير السوري والمفتي اللبناني ينتميان الى أسرة واحدة وكما هو حال الكثيرين في سوريا ولبنان. لكنهما يفترقان وبينهما هوة شاسعة بسبب انتمائهما الى عالمين متناقضين: عالم الاجرام الذي يتصف به النظام السوري وعالم الحرية الذي أينع في لبنان منذ زمن بعيد وخرج من قبضة دمشق باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005.
لأن الحديث يدور حول مفارقة فإن الذروة فيها هو أن يدير المسؤولون اللبنانيون على مختلف المستويات الأذن الصماء ليس للمعلومات التي تكشف ضلوع النظام السوري في محاولة اغتيال المفتي الشعار بل لصرخات طرابلس التي تحدث عدد من ابنائها عن ماضي الوزير الشعار الدموي بحق عائلاتهم عندما كان المسؤول السوري مكلفاً بادارة المدينة في زمن الوصاية السورية على لبنان. وأقل ما يمكن القيام به هو تسليم هذا المسؤول الى القضاء الدولي ليحاكمه على الجرائم التي ارتكبها في لبنان وسوريا معاً. عندما أحاط رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي نفسه بالعمائم خلال زيارته الاخيرة لمدينة طرابلس لم يكلف نفسه عناء السؤال عن العمامة الكبرى التي يمثلها المفتي الشعار الذي تفتقده طرابلس وكل لبنان. وكم تبدو ساذجة اسطوانة "النأي بالنفس" التي لا يمل ميقاتي من تشغيلها، حتى صار مفهوماً ان سياسة النأي بالنفس التي تصدح بها الجوقة الميقاتية تعني ان من يشعر بالامان في لبنان هو من قال له النظام السوري "عليك الامان" وإلا فإن الموت أو الاختباء او الابتعاد هو قدر الذين قرروا أن ينأوا بأنفسهم عن الارتهان للطاغية السوري. عندما يأتي اليوم الذي يهبط فيه المفتي الشعار في مطار بيروت آمناً ويغادر الوزير الشعار مقيّداً الى محكمة دولية يكون لبنان عندئذ قد عاد الى رشده.