#adsense

عن “زمن القناصل” ومَن لا يريد له الزوال!

حجم الخط

لا يمل اللبنانيون من الكلام على ما يسمونه "زمن القناصل" عندما يشيرون الى ما كانت عليه حال لبنان وحال السفراء الأجانب فيه في القرن التاسع عشر. لكن كلامهم هذا لم يكن يوماً، وليس هو الآن بالطبع، الا في سياق التنديد بذلك الزمن من تاريخ لبنان والرغبة بعدم العودة اليه، بالرغم من كل ما يربط لبنان بالعالم الخارجي، والعربي منه تحديداً، وحاجته شبه الدائمة اليه، فضلاً عن تأثره بما يحدث فيه عل كل المستويات.

ولأن بعض اللبنانيين، ورجال الساسة منهم بشكل خاص، يبدون وكأنهم لم يخرجوا بعد من ذلك الزمن، بقدر ما يبدو بعض السفراء بدورهم في الحال ذاتها الى درجة أن وزارة الخارجية اللبنانية عممت عليهم في وقت سابق ضرورة التزام عدم الخوض، علنا على الأقل، في شؤون البلد الداخلية وفي الخلافات بين أطيافهم السياسية والحزبية، فما يزال "زمن القناصل" هذا يطل برأسه البشع بين وقت وآخر.

آخر الاطلالات، وأخطرها على الاطلاق، تمثلت في الاجتماع الرباعي والذي قصد منه أن يكون علنياً في بيروت بين سفراء ايران وسوريا وروسيا والصين فيها، من أجل مناقشة وتنسيق مواقف بلدانهم، بحسب السفير الايراني غضنفر ركن أبادي، ازاء الحال الراهنة في سوريا. وبغض النظر عما قاله سفير روسيا بعد اللقاء وحاول فيه التزام الأصول والتقاليد الدبلوماسية في ما بين الدول، فقد شكل الاجتماع حدثاً بالغ الأهمية والخطورة لأسباب عديدة:

أولاً، لأن المفترض بسفراء الدول الأربع أن يقصروا مهامهم الدبلوماسية على شؤون البلد الذي يمثلون دولهم فيه، وتحديدا على العلاقات بينها وبينه فلا تتعداها الى شؤون أي بلد آخر، أقله لأن لدولهم سفراء في البلد الآخر هذا يقومون بالمهمة فيه، وحتى يتولون التنسيق اذا كانت لذلك حاجة…مع أن التنسيق في مثل هذه الحال يقع على عاتق وزارات الخارجية وليس السفراء.

لماذا هذا الاجتماع الرباعي اذا؟، ولماذا يعقد في بيروت بالذات؟

غالب الظن أن الدعوة للقاء ايرانية في المقام الأول، وبالتنسيق مع سوريا من دون شك، وأن الهدف منه لا يخرج عن كونه، كما دأبت طهران ودمشق على القول في كل مناسبة، اعادة التأكيد على أن لبنان جزء مما يسمى "محور المقاومة والممانعة"، وعلى أن ما يتعلق بأحد أطراف هذا المحور(سوريا في هذه الحال) انما يتعلق بالطرف الآخر اللبناني أيضا.

واذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه جدياً وبقوة هنا هو عن موقف الدولتين الأخريين (روسيا والصين) في هذه الحال، وعما اذا كانتا تنظران الى لبنان من الزاوية ذاتها أم لا.

واستطراداً، اذا كان نائب وزيرالخارجية الايراني حسين أمير عبد اللبيان قد حدد موقف بلاده من سوريا (ومن لبنان، عملياً "لبنانه" كما يفهمه) بالقول، بعد يومين فقط من الاجتماع، ان "حزب الله" سيتحرك حتما عندما يرى أن الطرف الممانع في سوريا يتعرض لخطر جدي، فماذا يكون موقف روسيا والصين الفعلي وموقف سفيريهما من هذا الكلام من جهة أولى، ومن الاجتماع الرباعي الذي حضره سفيراهما في بيروت بهدف التنسيق مع سفيري ايران وسوريا بشأنه من جهة ثانية؟

ثانياً، ان المفترض بالسفراء الأربعة أن يكونوا على علم بموقف لبنان الرسمي من الحدث السوري، "النأي بالنفس" على علاته في مجال التطبيق، وأن يعملوا من جهتهم على أن يراعوا علناً على الأقل موقف لبنان الرسمي هذا، وتالياً ألا يعقدوا اجتماعاً غريباً (أجنبياً بالكامل) في عاصمة هذه الدولة، يأخذهم ويأخذ الدول التي يمثلونها في لبنان في اتجاهات لبنانية أخرى.

واذا كانت الأعراف الدبلوماسية تقضي بذلك، وتقضي معها بأن تقدم وزارة الخارجية في لبنان على تنبيه السفراء الاربعة الى انتهاكهم الأصول والأعراف، وهو ما لم يحدث لأسباب يعرفها السفراء قبل غيرهم، فليس من شأن الخطأين أن يخففا غرابة ما حدث في الحالين، ولا أن يجعلا من مبادرة سفيري روسيا والصين لتلبية الدعوة الى الاجتماع والتداول فيه بشأن الوضع في سوريا وموقف بلديهما منه (فضلاً عن التنسيق بين الدول الأربع) وكأن شيئاً لم يحدث.

ثالثاً، ان اللبنانيين يعرفون جيداً موقف البلدان الثلاثة (ايران وروسيا والصين) من النظام السوري، وتالياً من الثورة الشعبية في البلد الشقيق، ولا حاجة بهم الى أن يتبرع سفراء هذه البلدان لديهم باطلاعهم على حقيقة هذا الموقف. لكن السؤال الذي يطرحونه: اذا كانت هذه البلدان تريد تنسيق مواقفها بشأن ما يحدث في سوريا، لماذا لم يجتمع سفراؤها في موسكو أو طهران أو حتى بيجينغ بدلاً من بيروت؟، بل لماذا لم يجتمعوا في دمشق ذاتها بينما سفراؤها فيها لا يزالون، على عكس الغالبية المطلقة من سفراء دول العالم، يواصلون أعمالهم لدى النظام فيها

ما يبقى أنه من الغريب فعلاً، فضلاً عن أنه يشكل اساءة للدولة اللبنانية، أن يعقد سفراء الدول الأربع لدى لبنان اجتماعاً في بيروت لا علاقة للبنان به لا من قريب أو بعيد. لكن الأغرب بما لا يقاس أن ترى وتسمع وتشاهد بين العاملين في السياسة والاعلام من اللبنانيين من لا يتورع عن الاشادة علناً، أو حتى عن الصمت تأييداً، بمثل هذا الاجتماع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل