#adsense

قلق خليجي من الجموح الإيراني

حجم الخط

قلق خليجي من الجموح الإيراني

ليس من الصعب على زائر دول مجلس التعاون الخليجي أن يلاحظ حالة القلق في مراكز القرار السياسي، كما في أوساط أهل المال والأعمال، والتي تعود أسبابها إلى عوامل سياسية إقليمية من جهة، وأخرى اقتصادية على علاقة بتداعيات الأزمة المالية العالمية·

ولكن ليس من السهولة بمكان أن <تجرّ> صانع القرار إلى الكلام المباح، في بيئة سياسية اعتادت التحفظ في تشريح الأوضاع السياسية، خاصة تلك ذات الامتدادات الخارجية، والتي تنعكس تفاعلاتها على التركيبة الاجتماعية المعقّدة في بعض دول الخليج، خاصة الإمارات الصغيرة، بدءاً من قطر وانتهاءً بأبو ظبي ودبي والشقيقات الأخريات في اتحاد الإمارات العربية·

ويصبح التحفظ مضاعفاً إذا كان الحديث يدور حول الهواجس التي يثيرها الدور الإيراني المتزايد، يوماً بعد يوم في المنطقة، في ظل غياب استراتيجية عربية موحّدة لحماية النظام العربي من الاختراقات الإيرانية، وأخطارها البعيدة المدى على استقلالية واستقرار دول ومجتمعات المنطقة·

وإذا تكلمنا أولاً عن <العوامل السياسية الإقليمية> التي تُثير قلق أهل الخليج العربي، يأتي العامل الإيراني في طليعتها، بسبب جموح السياسة الخارجية الإيرانية إلى لعب دور إقليمي كبير وفاعل، تستطيع من خلاله طهران الإمساك بمفاصل القرار الخليجي، بعدما نجحت وإلى حد واضح في الهيمنة على مجرى الأحداث في كل من العراق وفلسطين ولبنان·

* * *
ليس بين دول مجلس التعاون من يرغب بإشهار حالة العداء مع حكومة طهران· وبالمقابل، ليس ثمة من هو مستعد لتسليم أوراقه القُطْرية والإقليمية للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وفريقه المتشدّد في الحرس الثوري الإيراني·

ورغم أن التركيبة الاجتماعية لبعض إمارات الخليج تضم شرائح ذات أصول إيرانية تتمتع بنفوذ اقتصادي ومالي بارز، إلى جانب جاليات إيرانية تنتمي إلى الطبقات الوسطى والفقيرة، فإن الموقف الوطني الموحد لأهل الحل والربط، في القرار السياسي، وفي الأوضاع الاقتصادية، يشكّل، حتى الآن، حصناً قوياً أمام محاولات التغلغل الإيراني، ويحول دون تحقيق أي اختراق يُذكر·

إلا أن العين الساهرة في الخليج لا تنام على حرير التطمينات الصادرة من هنا وهناك، وتراقب بكثير من الجدية والدقة عناصر العمالة الوافدة من إيران وحركة تجمعاتها، من دون الوقوع في مطبّات الانفعال والتسرّع، خاصة بعد موجة الأحاديث الأخيرة حول وجود خلايا إيرانية <نائمة> في منطقة الخليج، مستعدة للتحرك عند أول إشارة تصدر عن طهران·

وتحاول بعض الحكومات الخليجية <استيعاب> الدور الإيراني وأخطاره المختلفة، من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري وجذب الاستثمارات الإيرانية الهاربة من الغرب إلى مشاريعها، فضلاً عن حرص حكومات أخرى، مثل حكومة قطر، على التنسيق مع طهران في بعض المسائل الإقليمية الشائكة، وخاصة ملفات لبنان وفلسطين·

ويبقى من المبكر الحكم على نتائج سياسة بعض الحكومات الخليجية في <استيعاب> الخطر الإيراني، خاصة إذا ما عُدنا إلى ذاكرة التاريخ عشية الحرب العالمية الثانية، حيث حاولت بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا، <استيعاب> المد الهتلري في السيطرة على العديد من الدول الأوروبية··· ولكن سياسة <الاستيعاب> سقطت تحت جنازير الدبابات الالمانية، بعدما احتلت جيوش هتلر أكثر من ثلاثة أرباع القارة الأوروبية·

وثمة من يقول من مفكري الخليج أن التجارب الإيرانية في التعاطي مع ملفات العراق ولبنان وفلسطين، لا تشجّع على الاطمئنان لمحاولة الاستيعاب الخليجية، خاصة بعد المحاولة السعودية الجدية في الانفتاح على إيران، والتي انتهت بصدمة قوية بسبب عدم التزام طهران بتعهداتها من جهة، وإصرارها على متابعة مخططاتها في السيطرة على مفاصل القرار في المنطقة من جهة ثانية، وكأنها القوة الإقليمية الأقوى···!!·

* * *
الحديث الخليجي عن الدور الإيراني ذو شجون، لم يحن الوقت المناسب بعد للخوض بتفاصيله، ولا سيما بعدما أخذت رياح الأزمة المالية العالمية تلفح اقتصاديات دول المنطقة بتداعياتها المختلفة، خاصة على صعيد حركتي البورصات الخليجية وحركة الاستثمارات·

الواقع أن دول مجلس التعاون التي تملك مصارفها المركزية وصناديقها السيادية قدرات مالية هائلة، خاصة بعد طفرة أسعار النفط الأخيرة، استطاعت أن تحدّ من انعكاسات الأزمة المالية العالمية على أوضاعها المصرفية والمالية، وذلك بضخ مئات المليارات من الدولارات إلى المصارف الوطنية، لتمكينها من مواجهة أزمة السيولة التي هددت أوضاع بعض المصارف البارزة·

وتَبيّن أن أزمة السيولة في بعض دول الخليج سببها وجود جزء كبير من ودائع واستثمارات مصارف وطنية لدى البنوك المتعثرة في الولايات المتحدة وأوروبا بما فيها سويسرا، فضلاً عن نسبة محترمة من ودائع ومحافظ استثمارية لكبار رجال الأعمال في المصارف الغربية، الأمر الذي اتخذه العديد من رجال الأعمال ذريعة لعدم تصفية المراكز المُدينة للبنوك المحلية·

وانعكس هذا الواقع المفاجئ سلباً أيضاً على البورصات الخليجية التي شهدت تراجعات كبيرة تماهت مع بعض الانهيارات التي حصلت في أسعار أسهم مؤسسات مصرفية ومالية وصناعية عريقة في البورصات العالمية من نيويورك غرباً إلى طوكيو وسنغافورة شرقاً·

لم تسلم دبي، لؤلؤة الخليج المتألقة بنهضتها العمرانية والاقتصادية على مدى العقد المنصرم، من ارتدادات الزلزال المالي العالمي، خاصة وأن محفظة مؤسساتها المالية والمصرفية العقارية، هي الأكبر بين دول المنطقة·

ورغم صدور تقارير ودراسات دولية تُخفّض درجة التصنيف الائتماني لدبي، بسبب ارتفاع مخاطر ديون الشركات العقارية والمالية التي تدعمها الحكومة، فان التدابير السريعة والحكيمة التي أشرف الشيخ محمد بن راشد، راعي نهضة دبي الحضارية، خفّفت من تداعيات الأزمة العالمية على الإمارة الصغيرة رغم التأثر المستمر في انخفاض مؤشر بورصة دبي، ورغم تراجع الطلب على الاستثمارات العقارية، ما أدى إلى تجميد العمل في بعض المشاريع، وإلى إعادة النظر بجدوى مشاريع أخرى·

يبقى أن نقول إن ديون الشركات العقارية والمالية الناشطة بكفالة حكومة دبي بلغت حوالى أربعين مليار دولار، أي ما يعادل الدخل القومي السنوي لدرّة الخليج··· ومع ذلك لا نسمع لغطاً من هنا، أو تشكيكاً بالسياسة الاقتصادية من هناك، بل ثمة اندفاع من الجميع للوقوف خلف قيادة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد الذي كان متحمساً في العمل الجبّار لتحقيق رؤيته بإيصال دبي إلى مستوى <المدينة العالمية للمال والأعمال>·

أما نحن في بيروت، التي كانت المثل والمثال في الازدهار والرخاء طوال عقد الستينات وحتى أواسط السبعينات من القرن الماضي، فما زلنا نتلهى بخلافاتنا الجاهلية، مشرّعين أبوابنا للتدخلات الخارجية، وحاملين معاول الهدم لمؤسساتنا الشرعية والدستورية، ضاربين عرض الحائط بكل ما له علاقة بالمصالح الوطنية، وبمصير الأجيال المقبلة!!·

فهل هكذا تُبنى الأوطان؟·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل