آفاق 2013 غير واعدة اقتصادياً ومالياً على الصعيد الدولي. فأوروبا الغربية لن تشهد نمواً لان القاطرة في الاقتصاد الاوروبي أي المانيا بدأت تعاني انخفاض معدل النمو لديها الى ما دون الواحد في المئة، والنمو في كل من اسبانيا وايطاليا واليونان سلبي بحسب التوقعات، في حين ان الاقتصاد الفرنسي، ثاني اكبر اقتصاد في أوروبا، سيراوح مكانه.
وأوروبا الغربية تعاني الضغوط المالية والمصرفية، وفي الوقت ذاته التأثير الاكبر على جمود النمو انخفاض معدلات الولادة الى حد يجعل عدد السكان المتوقع خلال عشر سنين أقل مما هو اليوم بـ10 ملايين على الاقل، فيما سياسات استقبال المهجرين صارمة وتهدف الى خفض عدد المقيمين في أوروبا الوافدين اصلا من شمال افريقيا وتركيا.
الولايات المتحدة، على افتراض توصل الجمهوريين والديموقراطيين الى اتفاق على الضرائب ومستويات الخدمات الاجتماعية في الشهرين المقبلين، ستحقق نمواً بمعدل اثنين في المئة. وبما ان الولايات المتحدة حققت اكتفاء ذاتياً في موارد الغاز التي تستعمل في توليد الكهرباء، وتشكل نسبة 30 في المئة من استهلاك الطاقة، فستكون قادرة على منافسة الصناعات الثقيلة وصناعات البتروكيماويات والاسمدة، مع أوروبا الغربية. وبالفعل حققت الولايات المتحدة ارتفاعاً في حجم صادراتها وقيمتها مستمر منذ ايلول المنصرم، والدولار، على رغم التساؤلات عن مستقبله، لا يزال يستقطب أكبر الاستثمارات في سندات الحكومة بين جميع الدول الصناعية، وتكفي الاشارة الى ان الصين تملك سندات حكومية أميركية بقيمة 1,6 تريليون دولار، واليابان تملك سندات حكومية أميركية بقيمة 1,1 تريليون دولار، والسعودية وقطر وأبو ظبي والكويت تحمل 700 مليار دولار، ناهيك بالبرازيل ونروج وسنغافورة وماليزيا.
اضافة الى موقعها المحوري عالمياً نتيجة الاعتماد على الدولار بنسبة 65 في المئة من مجمل التجارة العالمية ونسبة 95 في المئة من التجارة بالنفط ومشتقاته، تستقطب الولايات المتحدة بصورة قانونية وغير شرعية أعداداً كبيرة من الوافدين سواء من المكسيك، الشرق الاقصى أو أوروبا، وعدد سكان الولايات المتحدة ارتفع 20 مليوناً خلال عشر سنين، ومعدلات الولادة اضافة الى الهجرة الى البلد كفيلة بزيادة عدد سكان الولايات المتحدة الى 340 مليون نسمة بعد عشر سنين.
قبالة الولايات المتحدة ثمة ثلاث دول كانت تنمو بمعدلات تفوق معدلات النمو فيها، كما ان سكانها في تنام ايضا، وهذه الدول هي الصين والهند والبرازيل. والدول الثلاث، اضافة الى اليابان التي تحتل مرتبة ثالث أكبر حجم اقتصادي في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين، يبلغ حجم انتاجها أكثر من حجم الاقتصاد الاميركي. والصين والهند والبرازيل كانت تنمو خلال السنوات الخمس المنصرمة بنسبة 9 في المئة للصين و8 في المئة للهند و7 في المئة للبرازيل، في حين ان الاقتصاد الياباني عانى الجمود لسببين: ارتفاع سعر الين الياباني، والانخفاض المستمر في عدد اليابانيين، وهذا الانخفاض ينذر بان يهبط من 130 مليوناً الى 100 مليون خلال 20 سنة، كما ان نسبة المسنين بين اليابانيين بعد 20 سنة سوف تصير على مشارف 40 في المئة من عدد السكان الامر الذي يخفض الانتاجية.
ان استمرار الصين في تحقيق معدلات نمو تفوق الثمانية في المئة سنوياً أمر حيوي لمستقبل الاقتصاد العالمي. فالهند والبرازيل تواجهان انخفاضاً ملحوظاً في معدلات النمو، في حين ان اليابان لا تحقق أي نمو. والصين قادرة على متابعة الانجاز لانها قررت تخصيص موارد ضخمة لتحفيز الاستهلاك، واحتياطها النقدي يسمح بذلك، كما ان المنتجات الصينية حققت قفزات نوعية رسخت اختراقها للاسواق الاميركية والاوروبية والشرق الاوسطية. ويلاحظ مثلاً في لبنان، ان مستورداتنا من الصين في ارتفاع سنوي وقد احتلت المرتبة الثانية على لائحة الدول المصدرة الى لبنان، وهذا مثل عن تنوع المنتجات الصينية وجودتها، واسعارها التنافسية.
في ظل هذه التوقعات دولياً، ما هو وضع لبنان، وكيف لنا ان نحرك الاقتصاد ونحرز بعض التقدم، وقد شارفنا الانزلاق الى مرحلة الركود بعدما عانينا سنة 2012 مناخ الانكماش؟
علينا اولاً ان ندرك ان حجم اقتصادنا وودائع مصارفنا لا تشكل نقطة في بحر الاقتصاد العالمي، لكن اللبنانيين العاملين في مختلف بقاع الارض كانوا وراء المحافظة على اداء اقتصادي جيد خلال أسوأ سني الازمة المالية والاقتصادية العالمية، أي 2008 و2009 و2010. فقد حققنا معدلات نمو بمعدل يزيد على ثمانية في المئة سنوياً ويقرب من معدل نمو الصين، ومن ثم انكفأ الوقع الانتاجي والاستثماري لاسباب متعددة أهمها اثنان: سوء الادارة الحكومية للشأن الاقتصادي، وابتعاد السياسيين عن التركيز الا على المواقع السياسية وعلى التعيينات في القطاع العام وأخيراً على ما سمي خطأ سلسلة الرتب والرواتب.
الادارة الحكومية في لبنان مثقلة بالتجاذب بين الفئات المتحكمة بالشأن العام، والحكومة، اضافة الى المؤسسات التي تسيطر على قراراتها، مسؤولة عن نشاطات تشكل نصف حجم الاقتصاد الوطني، والكل يعلم ان الادارة الحكومية مهترئة، وان أي تقدم في المستقبل يرتهن بتسهيل الاجراءات الحكومية، والابتعاد عن سياسات ضريبية مرتجلة، ومن هذه، وفي المقام الاول حالياً، سلسلة الرتب والرواتب التي اذا أقرت ستدفع لبنان نحو مزيد من التضخم، وزيادة اعداد العاطلين عن العمل، وتوسع عجز ميزان المدفوعات، وارتفاع الفوائد الامر الذي يساهم في زيادة العجز من جهة، وتالياً زيادة الدين العام، وفي انحسار الاستثمارات، واستمرار امتناع المستثمرين العرب عن الاقبال على لبنان، سواء للزيارة أو للاستثمار.
هل هنالك من حلول؟
بالتأكيد هنالك حلول، أولها الافساح في مجال دخول القطاع الخاص بقوة الى نشاط انتاج الكهرباء وتوزيعها اعتماداً على معامل جديدة تعمل على الغاز، واستيراد الغاز المسيل لهذا الغرض، و استعماله في مصانع يمكن انجازها خلال 30 شهراً، فنحقق وفراً يقدر بثلاثة مليارات دولار.
كذلك علينا ضبط موضوع الرتب والرواتب كي لا نقع في المحظور. ويكفي القول إن عدد مدرسي المدارس الرسمية يفوق المعدلات العالمية بنسبة الضعفين على الاقل، فاذا اختصرنا اعداد المعلمين بنسبة 50 في المئة، واذا سرحنا موظفي السكك الحديد، واذا سيرنا باصات كهربائية ومنعنا السيارات الخاصة من دخول وسط بيروت ما لم تخضع لرسوم مرتفعة، نكون قد بدأنا مسيرة الخلاص.
الامل في تحقيق هذه الاهداف ضئيل لان طبقة السياسيين مطبقة على القرار الاقتصادي وتخضعه للاعتبارات الشخصية.