#adsense

المصالحة مع الذات قبل المصالحة مع الآخر

حجم الخط

المصالحة مع الذات قبل المصالحة مع الآخر

لقد قالها سمير جعجع بعد خروجه من السجن . فتنسّكه في سجنه القسري احد عشر عاما" جعله يتصالح مع ذاته . " انّ سمير جعجع الحالي هو سمير جعجع آخر غير الذي كان في الحرب ، فذاك قد مات وولد غيره في السجن " .

البعض من قليلي الايمان ظنوا أنّ سمير جعجع يتبرأ من ماضيه ، والبعض الآخر من المغرضين اعتبروا هذا الكلام خجلا" من ماض أسود. فقط الذين يعرفون سمير جعجع جيدا" فهموا حقيقة ما يعنيه .

لقد قبل سمير جعجع أن يتحمل وزر الماضي الأليم فقرر أن لا يدافع عن نفسه ولا عن القوات لأنّه لا يريد أن يعيد نكء جراح الحرب الكثيرة . اعتبر أنّ الحرب قد وضعت أوزارها منذ زمن بعيد، والجميع قد أخطأ ولا بدّ من طيّ الصفحة . ظنّ سمير جعجع أنه بعد الصدمة التي سبّبها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان وسقوط النظام الأمني تكون قد زالت أسباب التفرقة بين اللبنانيين . لكنّ صمته بعد خروجه من السجن فسّر ضعفا" واعترافا" ضمنيا" بالتهم في حين أنّ الذين يتهمونه أياديهم مغمّسة بالدماء أيام الحرب وبالفساد أيام السلم .

واليوم بعد ثلاث سنوات من العمل السياسي لم ينحدر يوما" خطاب جعجع الى مستوى الشتائم، بل حافظ دائما" على مستوى متميّز من احترام الغير في مقاربة الأحداث السياسية بعكس ما يلجأ اليه معظم أخصامه السياسيين ، وهذا ما يقرّ به الجميع .

وانسجاما" مع الخط التصالحي الذي انتهجه منذ استعادته حريته ، وكي يفسح في المجال امام مصالحات تريح الشارع وخاصة" المسيحي على أبواب انتخابات نيابية غالبا" ما تحمل معها الكثير من التشنجات، أراد الدكتور سمير جعجع أن يقدم على خطوة ، قليلون يجرأون عليها ، فكان الحدث في قداس الشهداء في 21 ايلول الماضي .

اعترف سمير جعجع أنّه قد يكون أخطأ وقد تكون القوات اللبنانية أخطات أيضا" خلال الحرب ، فكانت عصارة الجرأة والصدق والتصالح مع الذات عندما اعتذر باسمه وباسم كل أجيال المقاومين عن كلّ ما يمكن أن يكونوا قد أساؤوا به عن قصد أو عن غير قصد ، وجلّ من لا يخطئ . والأهم من ذلك كله كان ردّ فعل الجمهور القواتي المحتشد في الملعب البلدي . فذاك الجمهور لم يعترض ويتزمر بل صفق وصفق طويلا" في اشارة واضحة الى الوعي الذي وصل اليه هذا الجمهور والذي بعكس ما يصوّرونه ، هو جمهور لا يبغي سوى السلام والعيش الكريم في كنف دولة قادرة .

حتى هذه الخطوة الجريئة لم تكن كافية ولم تقابل بمثلها، بل حاولوا تشويهها بتفسيرات كثيرة بعيدة كل البعد عن حقيقة الهدف منها . والسبب الوحيد لذلك هو عدم استعدادهم بعد للمصالحة .

سمير جعجع يريدها مصالحة وجدانية قبل كل شيء آخر، وهم يحسبونها في مقاييس الربح والخسارة. هو يريدها مصالحة من أجل المصلحة العامة، وهم يدخلونها في الزواريب الضيقة .

المصالحة مع الآخر هي قرار ونهج وفعل ايمان والتزام مسيحي . لذلك ستظلّ المصالحات متعذرة الى أن يتمكن الآخرون من مصالحة أنفسهم أولا" .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل