#adsense

حكومة “النأي” عن بيانها الوزاري: فشل في الالتزام…النأي عن مصالح اللبنانيين…فشل تربوي بمخالفة رأي مجلس التعليم العالي

حجم الخط

كتب صلاح تقي الدين في صحيفة "المستقبل":

صحيح أن حكومة "حزب الله" برئاسة نجيب ميقاتي نالت ثقة 68 نائباً في مجلس النواب بتاريخ 7 تموز 2011، غير أنها منذ ذلك اليوم، فقدت ثقة كل اللبنانيين الرافضين لترهيب السلاح ومواصلة السعي إلى تحقيق العدالة وترسيخ مفهوم العيش المشترك، وهي تمعن في غيّها وفشلها في معالجة الهموم الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت، ولم تقطع خطوة واحدة على طريق استعادة هذه الثقة المفقودة، بل على العكس، لا تزال تثبت أنها في واد، والشعب اللبناني بأكمله في واد آخر.

تمر السنوات السعيدة في عمر الإنسان بـ "لمحة بصر" على ما يقال، والسنوات الثقيلة تكون متباطئة حتى يخال المرء أن "اليوم بقدر سنة"، هذا الوصف ينطبق بكل أشكاله على الحكومة الميقاتية التي أثقلت كاهل اللبنانيين بهموم وأزمات حسبوا أنها استمرت عهوداً بسبب فشل الحكومة في معالجة الأبسط منها، وجردة حساب العام الذي ينتهي بعد أيام قليلة، قد تكون ثقيلة بثقل الحكومة نفسها، وليس بعيداً أن تطوي السنة يومها الأخير دون أن يأتي ما ليس في الحسبان وما لن يذكر في هذه الجردة.
لائحة الفشل تطول لكن يمكن حصرها بالنقاط الواردة في البيان الوزاري للحكومة والذي رسمت من خلاله للبنانيين طريقاً من الورود تبيّن أنه لم يكن مليئاً سوى بالأشواك التي نخرت جلدهم، خصوصاً أن الرياح الدولية سارت على عكس ما تشتهيه سفينة الحكومة، حيث أعرب الاتحاد الأوروبي فور تشكيلها، عن قلقه من غياب التزام واضح وصريح منها بالتعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

لقد وعدت حكومة "كلنا للوطن.. كلنا للعمل" اللبنانيين بالعمل كفريق "واحد متضامن لجعل لبنان قادراً على الاستمرار في مواجهة التحديات المتنوعة الماثلة أمامه، على نحو يحفظ وحدته وأمنه واستقراره". هذا ما جاء في مقدمة البيان الوزاري، لكن في التطبيق، أين اللبنانيين من التحديات التي لم تواجهها الحكومة فحسب، بل زادت منها ومن خطورتها، كما لم تنجح بشكل ملحوظ في الحفاظ على أمن البلد ولا على استقراره ولا على وحدته. فالانقسام الحاد بين اللبنانيين، لم يصل إلى ذروته حول القضايا السيادية والاستقلالية إلا في عهد هذه الحكومة، وتعداه ليصل إلى حد دفع فريقاً من اللبنانيين إلى إعلان مقاطعة الحكومة وأعمالها مجاهرة، في خطوة تشي بمدى الألم والإحباط الذي خلّفه وجودها على صدورهم.

أتحفتنا الحكومة ببيان وزاري مؤلف من 43 بنداً سعت من خلالها إلى تقديم نفسها على أنها حكومة الإنتاج والعمل، انطلاقاً من "التزامها تطبيق الدستور واستكمال تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاَ كاملاً، وترى أن إعادة الثقة والألفة والتضامن بين اللبنانيين، مهمة جليلة تحصّن الوحدة الوطنية والعيش الواحد". لقد أثبتت الحكومة أنها أبعد ما تكون عن التزام الدستور ولم تنجح في إعادة الثقة بين اللبنانيين على الإطلاق، بل أنهم كادوا أن يعيدوا إنتاج حرب أهلية في مناسبات عديدة، وإن نجحت المساعي الدولية في إخماد نارها مؤقتاً، إلا أن النار لا تزال تستعر تحت الجمر.

في البند الأول من البيان الوزاري، شددت الحكومة على أن "لا بديل عن وحدة الدولة وسلطتها"، فهل الأحداث المتكررة التي شهدتها عاصمة الشمال طرابلس وكلّفت حياة أكثر من 100 من أبنائها إلى جانب آلاف الجرحى بسبب سلاح متفلِت وغير منضبط، يشهد على وحدة الدولة وسلطتها؟ أم أن قطع الطريق الدولية في عاصمة الجنوب صيدا، يعززّ من "مرجعية الدولة"؟

لقد أكّدت أن "مهمة تعزيز السلم الأهلي هي مهمة تتولاها القوى العسكرية والأمنية الشرعية، ولا يشاركها فيها أي سلاح آخر غير سلاحها الشرعي". أحسنت الحكومة قولاً لكنها أساءت التطبيق، فكانت أن استعانت بسلاح غير شرعي، لفك اعتصامات شهدتها الضاحية الجنوبية ونفّذها "الجناح العسكري" لعشيرة المقداد، احتجاجاً على خطف أحد أبنائها في دمشق، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها القوى الأمنية الشرعية، إلا أنها لم تكن قادرة، بشهادة الجميع، على الدخول إلى "المربع الأمني" الموصوف في الضاحية، لولا رفع "حزب الله" الغطاء عن "العشيرة" التي تلوذ بحماه.
في البند الرابع من بيانها، أعلنت الحكومة "التزامها التضامن العربي بعيداً عن سياسة المحاور" وكل المواقف التي أعلن عنها رئيسها، الذي يفترض أنه ينطق باسم الحكومة ويمثلها، تعرّضت "للانتهاك" من قبل وزير خارجيته، ما يشكّل دليلاً كبيراً على التضامن الوزاري، وعلى التضامن العربي، بعيداً عن سياسة المحاور. لقد شهدت أروقة الجامعة العربية خير مثال على عدم التزام الحكومة بالتضامن العربي الذي التزمته في بيانها، فقد وقف وزير الخارجية معترضاً على القرار الذي أصدرته الجامعة في 13 تشرين الثاني 2011 بوقف عضوية سوريا في الجامعة العربية، هذا القرار الذي صدر بإجماع 18 دولة عربية ولم يعترض عليه سوى لبنان واليمن، فيما امتنع العراق عن التصويت عليه. فأين الحكومة من التضامن العربي، والبعد عن سياسة المحاور؟ كان الأمر ليسهل لولا أن وزير الخارجية تابع هذه السياسة من خلال تشريع منبر وزارته إلى سفير سوريا في لبنان علي عبد الكريم العلي، ليشن عبره هجماته على الدول العربية الشقيقة، في إحراج ما بعده إحراج للبنان وتاريخ علاقاته مع الدول الشقيقة.
لقد رأت الحكومة في البند 13 من بيانها "أهمية الإبقاء على الحوار الوطني كحاجة لحل النزاعات السياسية وتنمية ثقافة الحوار بين اللبنانيين، وهي معنية أيضاً بتنفيذ مقررات الحوار الوطني". لم تفعل هذه الحكومة سوى الإطاحة بالحوار الوطني، فقد أعلن فريق "14 آذار" الذي يمثل على الأقل نصف اللبنانيين، مقاطعتهم الحوار بسبب الحكومة التي "تغطي على القتلة والمجرمين" وذلك عقب اغتيال رئيس شعبة المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن. إن وجود الحكومة بنظر هذا الفريق، ينسف الحوار وعليها الرحيل أولاً قبل استئناف حوار أصبح "شكلياً" وبعيداً عن المضمون الحقيقي له.

أما في البند 14 فقد أكّدت الحكومة "انطلاقاً من احترامها القرارات الدولية، حرصها على جلاء الحقيقة وتبيانها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وستتابع مسار المحكمة الخاصة بلبنان". لقد "هرّبت" الحكومة حصة لبنان من تمويل المحكمة الدولية، حيث وقّع رئيسها قرار إحالة الجزء المتعلق بلبنان من الميزانية الخاصة بـ "هيئة الإغاثة" التابعة لرئاسة الحكومة في 30 تشرين الثاني 2011 لعلمه أن مجلس الوزراء لن يوافق على التمويل في ظل هيمنة "حزب الله" والتيار "الوطني الحر" على الحكومة، خاصة وأن القرار الاتهامي الذي أصدرته المحكمة وطاول أربعة متهمين من "حزب الله" لم تستطع الحكومة الالتزام به ولا يزال المتهمون فارين من وجه العدالة. وعاد وكرر الأمر نفسه في 11 تموز 2012 حيث أعلن أنه "تم صباح اليوم تحويل حصة لبنان من تمويل المحكمة" من دون ان يعطي تفاصيل اضافية حول المبلغ او مصدر المال. قد يكون رئيس الحكومة أكد التزامه الشخصي بهذا البند، غير أن الحكومة كانت بعيدة جداً عنه، وهذا دليل على "تضامن أعضائها" المفقود.

أما في البند 15، فقد اعتبرت الحكومة أن من أولوياتها "إطلاق ورشة وطنية لإعداد قانون جديد للانتخابات يتناسب وتطلعات اللبنانيين إلى تحقيق تمثيل سياسي صحيح وعادل". منذ صدور البيان الوزاري ولغاية اليوم، لا يزال البلد يتخبط في مسألة القانون الذي سيعتمد لإجراء الانتخابات النيابية المقررة في ربيع العام 2013، فالحكومة أحالت مشروعاً كيدياً يناسب فريقاً من أعضائها دون الأخذ برأي قسم كبير من اللبنانيين، وأعادت إلى الأذهان مقولة سابقة "بتفصيل قانون انتخابات قياساً على الطرف الفلاني أو الطرف العلاني"، إذ أنها لم تفعل سوى تقديم مشروع قانون يضمن فوز فريق "اغتصاب السلطة" بالأغلبية التي تتيح له الاستمرار في التنعّم بـ "مغانم" السلطة، وتوفر له الحماية لتمرير ما يشاء من مشاريع تعبق برائحة السمسرات وكل ذلك على حساب جيب المواطن، غير آبهة بما سيؤول إليه الوضع الداخلي للبلاد، ربما لعلمها أن "عمرها قصير" فمن "بعدي الطوفان".

وفي البند 19، قالت الحكومة إنها "ستولي الاهتمام البالغ للشأن الاجتماعي" وهي فعلت حقاً، فالوعود "العرقوبية" لرئيسها دفعت هيئة "التنسيق النقابية" إلى "شل" العمل في القطاع العام والإضراب في المدارس والجامعات، رداً على عدم إحالة مشروع "سلسلة الرتب والرواتب" إلى مجلس النواب. فالاهتمام الاجتماعي للحكومة، أفقر المواطنين ووضعهم على حافة العوز، على ما يقول المسؤولون عن "هيئة التنسيق" وهذا خير دليل على حسن أداء الحكومة وعملها لخير المواطنين.

وفي البند 20، التزمت الحكومة "المضي في خطة الإصلاح الصحي" فكان هذا الالتزام عبارة عن تزوير أوراق مخبرية حملت توقيع وزير الصحة (تم تزوير توقيع الوزير أيضاً) لإدخال صفقات أدوية مزورة ومنتهية الصلاحية إلى السوق اللبنانية والمستشفيات والمستوصفات، ما عرّض حياة المواطنين للخطر المحدق. هذا الالتزام الذي كان بطله شقيق أحد وزراء الحكومة والذي يحظى بحماية وتغطية من "حزب الله" مؤشر على مدى اهتمام الحكومة بصحة المواطن، ودليل إضافي على "نجاحها".ّ!!!

أما البند 22 من البيان، فحدّث ولا حرج. لقد أدركت الحكومة "الحاجة الملحة لإعادة بناء الإدارة وتحديثها، وهي ستعمل على ملء الشواغر من خلال استكمال تطبيق آلية التعيين التي اعتمدت سابقاً في مجلس الوزراء". لا تزال التعيينات الإدارية تجري بـ "سرعة السلحفاة" في الحكومة التي تتقاذفها رياح المحاصصة وعدم الالتزام بمعايير الكفاءة. عدد المراكز الشاغرة التي تم ملؤها في الإدارة، لا يتجاوز 20% من مجموع الشواغر التي أثرت سلباً على إنجاز معاملات المواطنين، وهي إن مرّت فبعد مخاض كبير كان أحد أطرافه النائب ميشال عون الذي أراد احتكار جميع الوظائف المسيحية لدرجة أنه وقف بوجه رئيس الجمهورية في موضوع تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى، قبل أن يخضع في نهاية الأمر للضغوط الكبيرة التي مورست عليه بـ "المونة" من قبل حليفه "حزب الله"، فصدر مرسوم تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى بالتزامن مع تعيين مدعي عام التمييز في 12 تشرين الأول 2012 بعد تأخير دام أكثر من عامين ونصف على إحالة الرئيس السابق لمجلس القضاء القاضي غالب غانم على التقاعد في 2 كانون الثاني 2010.

أما التشكيلات الديبلوماسية، فقد أنجزت بعد طول أخد ورد، كان بطل تأخيرها أيضاً النائب ميشال عون بسبب إصراره على التحكّم بمواقع السفراء الموارنة في الخارج. وفي هذا المجال أيضاً، تأخرت التشكيلات الدبلوماسية أكثر من سبعة أعوام وإن لم تكن الحكومة الحالية مسؤولة فعلياً عن عدم إنجازها في السابق، إلا أن التزامها في البند 22 فضح سوء أدائها وفشلها في تطبيقه.

وانطلاقاً من "اهتمام الحكومة بالشأن التربوي" كما ورد في البند 23 من البيان الوزاري، فقد أعلنت عن نيتها "إحداث قفزة نوعية عبر تطوير البرامج والأبحاث والمناهج العلمية" وهي من دون شك أحدثت قفزة قل نظيرها وربما لم تسبقها إليها أي من الحكومات السابقة منذ عهد الاستقلال. لقد خالفت الحكومة رأي المستشار القانوني لرئاسة مجلس الوزراء، وضربت عرض الحائط باعتراض رئيس اللجنة الفنية في مجلس التعليم العالي، ومررت مرسوم الموافقة على إنشاء "جامعة بيروت الدولية" التي في ملفها من المخالفات التربوية والفنية ما لا يمكن حصره، ناهيك عن الاعتداء الفاضح على أملاك الوقف الخيري السني، كل ذلك، نتيجة ضغوط مارسها بقايا نظام الوصاية السابق على رئيسها، فقرر التوقيع على المرسوم، كرمى لعيون حلفائه و"لإحداث قفزة نوعية" في مجال التعليم والتربية.

وفي البند 28، أكّدت الحكومة على أن "المالية العامة السليمة هي مرتكز أساسي لنمو اقتصادي متين ومستدام". "شر البلية ما يضحك" فالنمو الذي سجل في نهاية عام 2010 عشية الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري لتستولي حكومة "حزب الله" برئاسة ميقاتي على مقاليد السلطة، بلغ ما بين 6% و 7% استناداً لأرقام صندوق النقد الدولي، علماً بأن الناتج المحلي للفترة ما بين 1990-2000 قد سجلت معدل نمو سنوي متوسط قارب 14%، اذ ارتفع من حوالي 3 مليارات دولار عام 1990 إلى ما يزيد عن 39 ملياراً في العام 2010 استناداً إلى إحصاءات الصندوق نفسه. وها هو لبنان اليوم لا يسجل معدل نمو يتجاوز 1% بسبب ارتكاز حكومة ميقاتي على مقولة "المالية العامة السليمة".

لقدّ أدت سياسات الحكومة الحالية إلى هروب المستثمرين الأجانب من لبنان، ناهيك عن المقاطعة العربية السياحية للبنان، بكل ما في الكلمة من معنى، علماً أن هذا القطاع كان يشكل 22% من الناتج القومي للبنان استناداً لوزير السياحة فادي عبود، وهذا الأمر يسجل "إنجازاً" يضاف إلى لائحة "الإخفاقات الحكومية" في العام 2012.

وتعهّدت الحكومة في البند أعلاه، "إنجاز موازنة العام 2012"، وهذا لم يحصل، "وإنجاز قطع حساب السنوات التي لم يقطع حسابها" وهذا لم يحصل أيضاً، ناهيك عن عدم وضع مشروع موازنة العام 2013. لن ندخل في تفصيل مالي اقتصادي في هذا الباب، لكن من البديهي الإشارة إلى أن الحكومة حققت فشلاً ذريعاً فيه، تفاصيله سترد في جردة العام الاقتصادية.
وفي البند 29، جاءت الحكومة في بيانها على قطاع الكهرباء الذي وعدت بأنها "ستوليه الأولوية اللازمة وستعمل على متابعة تنفيذ ورقة سياسة الكهرباء المعتمدة في العام 2010". لا تزال الكهرباء "مشكلة المشكلات" و "مغارة علي بابا" التي تنضح بالفضائح التي لا تنتهي بدءاً من شهية وزير "العتمة" وصولاً إلى صفقة البواخر التي لم تبصر النور إلى اليوم، وكذلك اللبنانيون الذين لم تغادر الظلمة منازلهم ومن غير المرجح أن تغادرها طالما أن الوزير نفسه في مكانه.

لقد رفعت حكومة ميقاتي شعار "النأي بالنفس" لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، لكنها في واقع الحال، نأت بنفسها عن كل ما يزيح عن كاهل المواطن من أثقال لا بل زادت ثقلاً عليه بوجودها، وأملهم كبير في أن تكون العيدية المنتظرة في فترة نهاية العام، استقالتها للإفساح في المجال أمام حكومة حيادية، تشرف أولاً على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وثانياً وهذا الأهم، أن تعمل على إعادة ما فقده لبنان في عهد الحكومة الحالية، من ثقة أخوانه العرب فيعودون ليملأوا ربوعه سياحة واصطيافاً، وثقة المستثمرين الذين هربوا خوفاً من هيمنة السلاح غير الشرعي على مقدراتهم واستثماراتهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل