كتب زياد منصور في صحيفة "المستقبل":
كيف سيكون عليه الحال في عكار 2013، وكيف ستكون الصورة فيما لو سقط الأسد أو استمر نظام حكمه. هل يستمر منسوب التوترات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وهل يزداد حجم الانتهاكات والتدخلات والاستباحة السورية اليومية، والتي بدأت مع مطلع 2012 بحدث ألهب مشاعر أهلها تمثل بعملية قتل متعمد للفتى ماهر حمد، في 20 كانون الثاني الماضي، على متن مركب للصيد في العريضة، واحتجاز جثته من قبل شبيحة الأسد قبل إعادتها. ثم أن عكار تجاوزت قطوعاً أمنياً خطراً كاد أن يفجر البلاد تمثل باغتيال الشيخ الشهيد أحمد عبد الواحد ورفيقه محمد مرعب في 20 أيار الماضي. واختتمت عامها هذا، في 19 كانون الأول بمأساة أكثر تراجيدية تمثلت بحادثة تلكلخ التي ذهب ضحيتها عشرة شبان من الشمال عبروا أراضيها، من بينهم اثنان من أبنائها، مالك الحاج ديب وعبد الكريم ابراهيم، من بلدة فنيدق.
عكار هذه كيف سيكون عليه حالها في السنة المقبلة، وكيف ستواجه الاستحقاق الانتخابي المقبل.
يمكن وصف عام 2012 بالنسبة الى عكار بأنه عام التراجعات والانتكاسات التي بدأ مسارها الانحداري منذ انهيار حكومة الوحدة الوطنية، حكومة الرئيس سعد الحريري، بعيد الانقلاب الأسود الذي أطاحها في 12 كانون الثاني 2011، وأطاح بالتالي الخطط التي كان تضمنها بيانها الوزاري وركّز أساساً على "أولويات الناس"، ومنها مشاريع الصرف الصحي والمياه والكهرباء والطرق وغيرها من المشاريع الطموحة المعدة لعكار، وصولاً الى موضوع التعيينات، ومنها احتمال تعيين محافظ لعكار مع ما كان سيتبع ذلك من تحريك للدورة الاقتصادية والنشاط الإداري والاجتماعي والتربوي والثقافي، ما يدفع بعجلة إزالة الفقر في عكار الى الأمام.
كل هذه الانتكاسات وصولاً الى التوترات الأمنية المتعاقبة كان أحد أبرز مسببيها بلا أدنى شك، هذه الحكومة التي نأت بنفسها عن حماية أهلها من القصف السوري واختطاف أبنائها من أرضهم في30 نيسان، من بينهم محمد ياسين مرعب ومهدي ياسين، وقبلهما بقليل وحمود محمد الابراهيم. الى خطف وقتل عدنان المحمد من تل اندي. ثم خطف الفتى سامر النعيم في شهر 11 من البلدة عينها (لم يكشف مصيره حتى اليوم)، وهي التي نأت بنفسها اقتصاداً وتنمية لتحصل على علامة صفر لدى أبناء هذه المنطقة.
وبالتالي يمكن اعتبار العام الذي مضى عام الأحداث الثقيلة الوقع على المنطقة، مع تحول نوعي سلبي الطابع في سياسة هذه الحكومة، وهو اعتماد سياسة إدارة الظهر تجاه كل شيء يخص عكار وأبنائها، عبر اعتماد مبدأ صارم: "صفر تجاوب معي، يعني صفر مشاريع، ويعني صفر تعيينات، وصفر حماية وأمن واستقرار، وصفر اهتمام"، فتعمدت معاقبة عكار على أساس أن ولاءها السياسي لا يساوم. وهي مع قوى الرابع عشر من آذار، فلماذا تكلفة الخاطر إذا كانت تتحداني وليست معي؟.
وإن أمكن أيضاً فأيضاً، يمكن اعتبار 2012 كالذي سبقه العام والذي ملأ سماء عكار بالكثير من الأحداث العاصفة المعطوفة على التحولات الهائلة التي كانت تحصل في سوريا وارتداداتها في الجسم العكاري، فطغت قضية النازحين على ما عداها كهاجس قض مضاجع العكاريين في ظل غياب دور الدولة، وتطوع الأهالي لتأمين الحماية لهم ولأنفسهم وتعزيز صمودهم بأشكالها وأطرها المختلفة، وكان في نفس الوقت عام محط أنظار منظمات وهيئات وأصحاب قرار نظراً لحساسية هذا الأمر.
ولعل زيارة السيناتور جو فيلتمان الى قرى وادي خالد في نيسان الماضي، وتسلمه مذكرة من الأهالي والنازحين شكلت محطة بالغة الوضوح لكل من يعنيه الأمر في النظام السوري أو الدولة المتقاعسة، بأن ما هو حاصل الآن ليس مشابهاً لما كان من قبل، وأن حماية النازحين قضية ذات أولوية بنظر الجميع ولا يمكن المهادنة فيها، الأمر الذي غيّر الكثير من المسارات في هذا الشأن.
الغضب السوري.. قصفاً وإرهاباً
هذا الواقع المتزامن مع غضب سوري حتى الشراسة، شكل بوصلة لسلوكيات النظام مع معارضيه وأهله، فأعمل قصفاً وقتلاً وإرهاباً وخطفاً ولو من وراء الحدود، ما جعل اسم المنطقة رهن المداولات على المستويات الرسمية وفي الإعلام المحلي والعربي والدولي.
ومع ذلك، ظل الإعلام الموالي للنظام اللبناني، يجهد بكل ثقله محاولاً استنهاض حليفه السوري المتخبط نتيجة اندفاعة الثورة، معتمداً منهجية عمل من جل أهدافها صب الزيت على النار عبر اصطناع الأضاليل واختلاق الفبركات عن قواعد عسكرية تارة للجيش الحر ومعسكرات للقاعدة والشيشان والأفغان وكل شياطين الأرض، وتحديداً في وادي خالد ثم في الدريب، حسب مزاعمهم، ما أفضى الى أمرين اثنين: انزعاج لدى الأهالي مما يبث وينشر، وثانياً، زيادة العين الحمراء سورياً من نشاط الإعلاميين، ما أدى الى استشهاد مصور تلفزيون "الجديد" علي شعبان عند نقطة المتحدة العرموطة على يد كتائب الأسد في التاسع من نيسان، الأمر الذي هز الإعلام اللبناني والوسطين الشعبي والرسمي.
وظلت اليد السورية وأدواتها تعمل جاهدة على مبدأ التوتير محاولة بشتى السبل إحداث بلبلة أمنية على المستوى المذهبي والطائفي، عبر إعادة نبش القبور في ملفات طواها الزمن منذ عشرات السنين فحصلت توترات في سهل عكار وفي الدريب وجواره أطفأتها أيدي العقلاء والجهد الواعي الذي أظهرته اعتدالية تيار المستقبل في أكثر من محلة وقرية وبلدة.
ماذا يحمل معه عام 2013؟
يحمل العام 2013 كل هذه الأزمات مجتمعة، إضافة الى المستجدات، ومنها موضوع الإفتاء في عكار وما ارتكب بحق المفتي اسامة الرفاعي من عدم التجديد له على خلفية سياسية، والانقسام الحاد الذي خلفته في الوسطين الديني والسياسي وخطورة هذا الملف وما يحمله من آثار لجهة أوضاع المشايخ والأئمة والعلماء ومستحقاتهم.
كما يحمل العام الجديد حدثاً لا يقل أهمية، يتمثل في تعيين المحافظين ورؤساء للمصالح والدوائر وما يستدعيه ذلك من ضرورة بذل جهد إضافي من قبل تيار المستقبل منسقيات وكوادر وقواعد ونواب الى قوى الرابع عشر من آذار، حيث أن زيارات نواب الثامن من آذار وحلفائها لا تنقطع عن وزاراتهم للإمساك بالحبل بدءاً من وسطه في مواضيع حساسة كدوائر التربية والمساحة والسجل العدلي والميكانيك والمستشفى الحكومي والعقارية وحتى القائمقامية وموظفيها والنفوس، وصولاً الى الأجهزة الأمنية وسواها، ما يعني أن هناك معركة أكثر من جدية ستُخاض منذ لحطة تطبيق المراسيم التطبيقية وإجراء التعيينات اللازمة لها، عدا نظرة الأفق الأوسع الخبيثة التي تحاول من خلالها الوزرات الميقاتية التمدد نحوها عبر مشاريع حيوية مهمة كمطار القليعات، ومرافئ الصيادين والمنطقة الحرة في جوارها. فكل يوم يحمل أخباراً عن شراء نهم للأراضي في محيط المطار، الى الإفراج عن مبالغ الصناديق لاستثمارها انتخابياً في مشاريع مقرة منذ عقود وطلب اليوم أحياء عظامها الرميم.
أولويات كثيرة واستحقاقات بالغة التعقيد يواجهها أهالي المنطقة وأكثريتهم السياسية والشعبية، منها الحفاظ على السلم الأهلي، الاستعداد الجاد للاستحقاق الانتخابي، تهيئة الظروف لمعركة التعيينات، دفع ملف النازحين وحماية الحدود كأولوية، معركة التعويض على الأهالي الذين قصفت منازلهم في النورا، الدبابية، العبودية، وادي خالد التي لا تكترث لها حكومة كلنا للوطن، الى مقارعة زبائنية الحكومة في مشاريع الكهرباء والمياه والمشاريع الكبرى، كما هي تفعل في محطة العيون الكهربائية التي انتهت أعمال تنفيذها وترفض تدشينها لأسباب محض انتخابية، الى النضال اليومي المتمثل بحق أهلنا البسطاء بتأهيل المستشفى الحكومي وإعادة تجهيزه باعتباره عاملاً منقذاً لمئات العكاريين الفقراء، الى إطلاق مشروع الجامعة اللبنانية الذي بدأ الكلام عنه وتكريسه في عهد حكومة الرئيس الحريري، الى الطرق الدائرية حول حلبا والجسور والتقاطعات الضرورية، ومشروع بحيرة الكواشرة والبحيرات الجبلية المخصصة للمنطقة والسدود، وإحداث تغيير نوعي في التنظيم المدني عبر رفض "طابق الميقاتي"، الى ما هو أفضل بكثير.
يبقى أن إطلاق ورشات تدشين مشاريع الرئيس سعد الحريري، ومن أبرزها سوق الخضار في العبدة وبراد الفاكهة في فنيدق الذي بات على وشك الانتهاء، الى مشاريع ومستوصفات صحية ومدارس لم يتم تدشينها تعيد بعض التوازن في مسيرة الألف ميل التنموية التي أوقفت عمداً بالانقلاب الأسود.
إذا كان 2012 في عكار عام التحديات الجسام والصمود في وجه التحديات الكبرى، فإن عام 2013 لن يقل خطورة عما سبقه عند الحدود كمثل أن تواجهنا استحقاقات مماثلة لما جرت مع الحدود السورية، أو انتقال الماكينة الأسدية العسكرية الى اللاذقية وطرطوس المجاورة لعكار.
يبقى أن بعضاً من الأمل بدأ يظهر ويضخ في الجسم العكاري شيئاً من الحركة، بموازاة الصورة القاتمة وهي استحداث اتحادات بلدية منتجة كاتحاد نهر الأسطوان، والدريب والسهل، ومشاريع بلدية عملاقة رغم الشح الحكومي في مستحقات البلديات، الى افتتاح فرع لجامعة البلمند، رغم طابعها الخاص.