كان الأمر ليكون أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع: أبناء أبو عربي في التبانة الذين قتلوا في العام 1986 في مجزرة مشهودة على يد جيش النظام السوري، الذي كان المُقدّم محمد الشعار أحد قادته، يتحرّكون لمقاضاة الشعار، ويفرضون الفرار على الجريح الذي أُخليَ من المستشفى، تفادياً للملاحقة.
لا تقتصر القضية على الإخبار المقدّم من المحامي طارق شندب إلى النائب العام في الشمال القاضي عمر حمزة، الذي وضعه في الأدراج بداعي اندراجه ضمن قانون العفو، بل هي امتدّت لتُصبح قضية محاسبة حانَ وقتها، على مجزرة ارتُكبت في التبانة ولم تستطع قوى الأمن الداخلي عندما استلمَت بعض جُثث قتلاها، أن تُوثّق إلّا حالات القتل العمد، من دون أن تُحدّد الأسباب والجناة، هذا في حين اختفت الكثير من الجثث ودُفنت في قبور جماعية، ولم يتمكن أهالي الضحايا من معرفة مصير المفقودين.
في موازاة التحرّك الأهلي الذي كان يُفترض أن يقوم به أهالي الضحايا، لمقاضاة الشعار، سجّل القضاء نأياً بالنفس عن الملف، ليسَ مستغرباً. الترغيب والترهيب هما السبب، أما المُبرّر المتعلق بسقوط الزمن فهو واهٍ، نظراً إلى أنّ مرور الزمَن ينطبق في قانون العفو على مبدأ المصالحة بين اللبنانيين، وليس على سلوك إجرامي لجيش احتلال، ولا على ضباط هذا الجيش.
ويبقى النأي بالنفس الذي واجه به القضاء هذا الملف، في دائرة الضوء ولا سيما أنّ الأهالي والمحامين يُحضّرون لاستعادة كل الوثائق المتبقية الخاصة بالمجزرة، بدءاً من شهادات الشهود وصولاً إلى محاضر قوى الأمن الداخلي، مروراً بعائلة أبو عربي الذي اغتيل مباشرة بعد اجتماع ومشادة كلامية مع الشعار، وما أعقب تشييعه من هجوم على باب التبانة وقتل المئات، من شبان ورجال دين، وهروب الآلاف من الحي المنكوب.
تصلح هذه الملاحقة الافتراضية والفرار الذي تلاها لأن تكون نموذجاً، عمّا يمكن أن يحدث بعد سقوط النظام السوري. فالمحاسبة على كل الانتهاكات المُثبتة التي مارسها جيش النظام السوري في لبنان، تبدأ في طرابلس ولا تنتهي في القاع، أو في أحداث 13 تشرين التي أُعدم فيها بشكل موثّق عشرات الجنود اللبنانيين (هل سيعارض العماد ميشال عون فتح هذا الملف؟)، كما يمكن أن تمرّ على الإعدام الميداني الذي نفّذه جيش النظام بحق عناصر "حزب الله" في ثكنة "فتح الله"، ولا تنتهي عند فتح ملف الاغتيالات بدءاً من اغتيال الشيخين صبحي الصالح وحسن خالد والرئيسَين رنيه معوض وبشير الجميّل.
لا ينفصل ما جرى في قضية الشعار عن مسار الثورة السورية. فكما فتَحت هذه الثورة الباب أمام نَبش ملف الجرائم التي ارتكبت في سوريا قبل الثورة وبعدها، كذلك من المتوقع أن يحصل في لبنان إذا ما نجح المتضررون من هذه الجرائم في إعداد ملفات موثقة، عمّا تعرضوا له من انتهاكات، في طرابلس وغيرها من المناطق اللبنانية.
في سوريا يوثّق ناشطو الثورة آلاف الأدلة حول جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام السوري. المحاكمات التي ستحصل بعد سقوط النظام ستقود حتماً الى كشف الكثير من الغموض حول ما ارتكب في لبنان خلال ثلاثين عاماً من الاحتلال، إذ إنّ معظم من شاركوا منذ سنتين بممارسات القمع في سوريا سبق لهم أن تمرنوا في لبنان، أو في حماه في أوائل الثمانينيات.
هذا يكفي لينفض أهالي الضحايا الغبار عن النسيان، تماماً كما فعل أهالي التبانة الذين حركوا في قضية الشعار، كل الجرائم التي ارتكبت خلال احتلال النظام السوري للبنان.