ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده قداسا احتفاليا في ذكرى ختانة السيد وعيد القديس باسيليوس الكبير ورأس السنة، في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة في حضور حشد من المؤمنين.
وقال عودة في عظته "وطننا لن يستعيد سمعته الطيبة ومكانته الإجتماعية، والإقتصادية، والإنسانية أولا، إلا بأبنائه الشرفاء الذين يستنيرون بكلمة الله ولا يساومون، لأن هدفهم إرضاء الله والضمير. "المحبة فلتكن بلا رياء. كونوا كارهين الشر ملتصقين بالخير" (رو 12: 9). هذا ما أوصى به بولس الرسول أهل رومية. وهذا ما يجب علينا اعتماده كمبدأ في حياتنا".
واضاف: "نحن جميعنا مؤمنون بالله، أو على الأقل هذا ما ندعيه. وتعاليم الله واحدة وإن اختلفت الأديان. فلم لا توحدنا هذه التعاليم إن أبعدتنا السياسة أو المصلحة أو الإنتماء عن بعضنا البعض. "فلنعكف إذا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو 14: 19)، وطالما أننا ننتمي إلى وطن واحد فلتجمعنا حياة واحدة على أرض واحدة. ليكن مطلبنا الحياة الكريمة لكل إنسان، والعدالة التي تسري على الجميع ولا تفرق بين مواطن وآخر، والأخوة التي بموجبها يعامل واحدنا الآخر بما يحب أن يعامل به، والمحبة التي تتأنى وترفق، المحبة التي لا تحسد ولا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء، المحبة التي لا تسقط أبدا (1 كور 13: 4-8)".
وقال: "كل شيء إلى زوال ما عدا الله. لو تبصر الإنسان بهذه الحقيقة لتخلى عن كل شيء من أجل إنقاذ نفسه. فلا الجمال يدوم ولا المال ولا المركز أو الجاه ولا الشهرة وكل الصخب والضجيج الذي يحيط بأصحابها. كل هذه الأمور فانية. وحدها باقية الذكرى الطيبة التي يخلفها الإنسان والأعمال الممدوحة التي قام بها باستقامة، وهو سيدان على أعماله من الناس قبل الديان العادل. قد يتسابق البشر إلى تكريم أصحاب النفوذ والجاه والمال، لأن لهم مصلحة في ذلك، لكنهم يعرفون في قرارة نفوسهم أين يكمن الحق وأين هي الحقيقة. لذلك نراهم يسلطون ألسنتهم على من تهاوى من هؤلاء ويكيلون له الشتائم. أما الإنسان الذي يتكلم بالحق ولا يساوم، فالجميع يعرفون أنه على حق، وربما يحسدونه في قرارة نفوسهم ولو تكلمت شفاههم بغير ذلك. لذلك علينا جميعا النطق بما نؤمن به فعلا وبدون محاباة للوجوه، ولو أزعج كلامنا البعض. هنا أريد أن أحيي كل مسؤول في هذا الوطن يقول ويعمل بحسب ما يمليه عليه ضميره والواجب، دون مراعاة لأحد، لأن الله سيحاسبه على كل موقف اتخذه. ربنا لا يساوم، وهو ينظر إلى القلوب العطشى إلى نوره، الناطقة بحقه، ولا ينظر إلى المكانة الإجتماعية أو المركز أو الثروة أو العلم".
وتابع: "وطننا لبنان نعمة أعطيت لنا من الرب، والتنوع الإجتماعي والحضاري فيه غنى له وثروة، شرط قبول واحدنا الآخر ولو كان مختلفا. الإنسان، أي إنسان، هو مولود على صورة الله ومثاله، وقد ولد حرا على صورة الله، فمن أنت أيها الإنسان لتدين أخاك أو تقمع حريته؟ البشر متساوون أمام الله ولو اختلفت أوضاعهم الإجتماعية أو الثقافية أو غيرها، وهم متساوون في الحقوق والواجبات في وطنهم. وواجب الدولة أن تحمي حرية أبنائها وتصون كرامتهم وتعاملهم بالعدل والمساواة. فإن كان من حق لأحدهم تمنحه له، وإن كان من واجب على أحد تفرضه عليه. هكذا يشعر الجميع بالعدالة ولا يشكو أحدهم الغبن. هنا لا بد لي من التذكير أننا نحن الأرثوذكس من أول المطالبين بالدولة التي تضع الإنسان المناسب ـ ولا أقول الرجل لأن للمرأة حقها أيضا ـ في المكان المناسب."
ولفت الى ان "الدولة التي تنظر إلى كفاءة الإنسان قبل النظر إلى دينه أو مذهبه أو انتمائه. نحن نحلم بالدولة المدنية التي يتساوى فيها أبناؤها مهما كان دينهم، والتي تصنف أبناءها بحسب النزاهة والكفاءة والخبرة والعلم والمعرفة ونظافة الكف والعفة والخدمة، فينال كل واحد ما يستحقه. في دولة عادلة كهذه نشعر بالراحة والطمأنينة لأننا واثقون أن الدولة للجميع. أما في الدولة التي تتناتش فيها الطوائف والأحزاب المراكز والمكاسب والخيرات، ويصل أحيانا من لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة، فقط لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو ذلك الحزب أو ذاك الزعيم، فمن واجبنا التذكير أن لأبنائنا أيضا الحق في الوصول إلى بعض المراكز التي يكفلها لهم الدستور والقانون والتوزيع الطائفي، كما من واجبنا التذكير أن العدالة تقضي بأن لا تهضم حقوق أبنائنا من قبل أي كان لأن في هذا التصرف نقصا في المحبة وتقليلا من الإحترام".
وقال: "نحن نشكر الله لأن بين أبنائنا الكثيرين من أصحاب الكفاءة والخبرة ومن حملة الشهادات العالية من أكبر الجامعات، ومن حقهم خدمة وطنهم كغيرهم من الكفاءات. ورجاؤنا أن لا تتوقف التعيينات عند حائط مسدود فقط عندما يحل أوان تعيين أحد أبنائنا، وأن لا يتسابق الجميع إلى اقتناص فرصة التعيين. نحن لا نرضى الظلم والغبن لأحد، فكم بالحري لأبنائنا؟ نحن ندافع عن حق أي أخ في هذا الوطن، لذا حري بنا أن ندافع عن حقوق أبنائنا. ونعود ونؤكد أننا نطالب المسؤولين والأحزاب وجميع مكونات هذا الوطن أن يعاملوا الغير بمثل ما يريدون أن يعاملهم الغير، وأن لا يرضوا لغيرهم بما لا يرضون به لنفوسهم. هكذا فقط تستوي العدالة ويرتاح المواطن".