لا معنى للحملة العنصرية من بعض قوى 8 آذار على النازحين السوريين الى لبنان، بعد الموقف المشبوه من قبل السفير السوري علي عبدالكريم علي ضد وزارة الشؤون الاجتماعية بدعوى "تحيزها" في التعامل معهم وتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين منهم، وصولاً الى "الخطة" الوهمية التي فشل مجلس الوزراء في اعتمادها لكيفية استضافتهم، إلا أن نية مبيتة وربما مخططاً مرسوماً بدقة يكمنان وراء تعاطي نظامي الحكم في لبنان وسوريا مع هذه المسألة في الفترة المقبلة… تلك التي وصفها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل يومين بأنها تهدد بتقسيم سوريا أكثر من أي وقت آخر.
وليس الأمر جديداً في كل حال، لكن ما كان مقبولاً من لبنان خلال العامين الماضيين (النأي بالنفس) يبدو جلياً الآن أنه بات مرفوضاً من قبل النظام في دمشق. تسييس مسألة النازحين الى لبنان هو جزء من كل مما يطلبه النظام السوري من حكومته في بيروت في هذه المرحلة، ليس لدعم النظام ومساعدته على حل مشكلته الراهنة فقط، انما أولاً وقبل ذلك لإعانته على رسم صورة مستقبله أيضاً. كانت سياسة "النأي بالنفس" مقبولة من هذا النظام، وإن على مضض، في سياق قناعته بأن في إمكانه، بدعم من حلفائه، إنهاء الثورة الشعبية ضده خلال أسابيع أو شهور، وبأن التغطية السياسية التي توفرها له روسيا والصين في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تحميه عملياً من أي تدخل خارجي. واذاً، فلا يحتاج من حكومته في لبنان ومن أدواته وحلفائه فيه الى أكثر من "النأي بالنفس" هذا.
ولم تعد الحال كذلك في المدة الأخيرة.
انتهى وهم "الحل الأمني"، أقله بشهادة حليف هذا النظام في موسكو إذا كان الكلام الذي أطلقه نائب رئيسه فاروق الشرع في هذا المجال مجرد قنبلة دخان سياسية، كما انتهت معه الدعاوى بأن شريحة واسعة من الشعب السوري تدعم النظام ورئيسه، ليس شعبياً وسياسياً فقط إنما في القتال دفاعاً عنه أيضاً، فيما بدأت أصوات حتى بين الحلفاء الآخرين (هاشمي رفسنجاني في طهران) تتحدث علناً عن قرب انهيار النظام من جهة أولى، وعن أنه لا مكان لرئيسه بشار الأسد في أي نظام سوري جديد من جهة ثانية.
وانتهى كذلك، بالرغم مما يشوب بعض الأعمال القتالية في سوريا من سلبيات طائفية ومذهبية وعرقية، رهان النظام على إدخال سوريا في حرب أهلية شاملة بين مكونات شعبها، كما انتهت مساعيه المكشوفة لنقل أسلحة وعبوات متفجرة الى لبنان لزوم إعادة الطوائف والمذاهب الى التقاتل في ما بينها (مؤامرة علي المملوك/ميشال سماحة)، فضلاً عن شائعاته حول وجود قواعد تدريب وانطلاق لتنظيم "القاعدة" وغيره من الجماعات التكفيرية المتطرفة بهدف إقامة إمارات إسلامية (حديث الرئيس نجيب ميقاتي عن جولة القتال الأخيرة في طرابلس، ثم عودته عنه!) مع ما يوفره ذلك كله من تبريرات لحرب الإبادة الشنيعة التي يشنها ضد الشعب السوري من جهة، وتصدير مشكلته الى لبنان ودول الجوار من جهة ثانية، ليبدأ كما يبدو جلياً فصل جديد من حروب هذا النظام في الخارج… وفي لبنان بالذات، للدفاع عن نفسه في الداخل.
ما هو هذا الفصل الجديد من حرب النظام السوري في لبنان؟.
أولاً، تحويل قضية النازحين الإنسانية (بحملة اتهامات مغرضة من دمشق، وأخرى عنصرية من الحلفاء) الى مسألة خلافية جديدة تضاف الى الخلافات المتعددة بين اللبنانيين، مع ما يحمله ذلك من عوامل توتير وحتى تكاره بين مكونات لبنان الطائفية والمذهبية والجهوية وليس بين قواه السياسية فحسب. وليس الكلام الخالي من أي شعور إنساني على النازحين الفلسطينيين من مخيمات سوريا في جانب، وعلى "رقعة لبنان الضيقة" و"الضائقة الاقتصادية والحياتية" فيه و"عجز المحتاج عن إغاثة الغير" في جانب آخر، إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد الذي يجري انشاؤه إعلامياً وبين الناس منذ أيام.
وإذا كان مستهجناً الى حد بعيد لجوء بعض هؤلاء الحلفاء ("التيار الوطني الحر" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي") الى حمل لواء الحملة على النازحين، واعتبارهم كما نقل عن أحد الوزراء مجرد "إرهابيين" و"قتلة" لا يجوز حتى استقبالهم في لبنان، فلا يمكن إلا أن يكون مستهجناً بدوره الصمت المطبق للحلفاء الآخرين ("حزب الله" وحركة "أمل") على حملة زملائهم في الحلف الواحد… الحلف الاستراتيجي الممتد من إيران الى فنزويلا تحت عنوان الانتصار للمستضعفين والمظلومين والمحرومين، فضلاً عن محاربة الاستكبار العالمي.
أما إذا أضيف الى ذلك "غرام" وزير الخارجية عدنان منصور بالنظام السوري وسفيره في بيروت، وما بدأ يتداوله الحلفاء هؤلاء في إعلامهم عن زيادة جرائم السرقة وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وايجار الشقق والمنافسة في بعض قطاعات الأعمال، وإحالة ذلك كله الى تواجد النازحين من سوريا، فلا يبقى للحملة من البعض وللصمت عليها من البعض الآخر إلا معنى التكامل.
ثانياً، دس عناصر من الاستخبارات السورية و"الشبيحة" بين النازحين، كما حدث في الأردن وتركيا وأدى الى اعتقال الضابط المنشق حسين هرموش وتصفية آخرين، من أجل إثارة مشاحنات (وربما عمليات قتال) بينهم، وتظهير ذلك باعتباره تأكيداً لاتهامات النظام حول تواجد "جيش سوريا الحر" والجماعات الإرهابية والتكفيرية بين النازحين وحاجة دمشق وبيروت معاً الى الوقوف في وجههم وربما إبعادهم وإعادتهم الى سوريا بالقوة.
وللبنانيين المتعاطفين بغالبيتهم مع النازحين، وحتى للمؤسسات الإنسانية العربية والدولية، أن يتصوروا في ظل ذلك شكل لبنان واستقطاباته السياسية وحتى الفئوية والشعبية.
ثالثاً، وربما الأهم، ايجاد أرضية سياسية تبريرية، ولكن "وطنية" هذه المرة، لوجود قوات من "حزب الله" في سوريا وقتالها الى جانب قوات النظام بدعوى العمل على حماية سوريا من خطر التقسيم من جهة ومن الجماعات التكفيرية وهدفها في إقامة إمارة إسلامية متطرفة فيه من جهة ثانية.
هل هي "الخطة ب"، التي طالما تحدث عنها النظام السوري وحلفاؤه في لبنان وإيران وغيرهما، ووصفها البعض بأنها "حرب كونية" مضادة، في حال تهديد النظام في دمشق بالسقوط؟.
ربما تشكل "مسرحية" النظام حول النازحين الى لبنان، والتي تترى فصولاً في الوقت الحاضر، إشارة الى ما ستكون عليه الحال في داخل سوريا… وحتى في داخل لبنان أيضاً.