لا يمكن تفسير تبنّي مسيحيي 14 آذار لقانون «الارثوذكسي» إلّا من زاوية إعطائهم الأولوية للمصلحة المسيحية على المصلحة الوطنية، فيما تميّز المسيحيون تاريخياً بعدم فصلهم بين دفاعهم عن أنفسهم وعن لبنان على قاعدة أنهم آباء الفكرة اللبنانية وخلاصهم من نجاح هذه الفكرة.
لا شك في أن "الفاتورة" التي دفعها المسيحيون من جلدهم الحيّ إبّان الحرب وما بعدها في زمن الوصاية كانت باهظة جداً، من تراجع ديموغرافي إلى استقالة طوعية من الشأن العام بفِعل شعورهم بالتهميش وقلّة تأثيرهم وغياب فعاليتهم، وأيّ مزايدة عليهم في هذا المجال مردودة وغير مقبولة. ولكن في المقابل، فإنّ أيّ محاولة لتمنين الجماعات الأخرى بما أنجزوه للبنان دوراً ورسالة، وأن هذا الإنجاز كفيل لوحده بإبقائهم طائفة مميزة، مردود أيضا وغير مقبول، لأنّ ما قام به المسيحيون نابع من ارتباطهم بهذه الأرض، ويشكل جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم وإيمانهم بالدفاع عن الحرية، وطموحهم ببناء دولة لهم ولغيرهم على قاعدة الشراكة والمساواة والعدالة والديموقراطية. وقد أثبتت هذه التجربة نجاحها في فترات متقطعة من التاريخ اللبناني، وآخرها انتفاضة الاستقلال التي أزالت الاعتبارات الطائفية والمذهبية لمصلحة الأهداف الوطنية.
وانطلاقاً من أن لكلّ جماعة وظيفة ودور، رأت الجماعة المسيحية أن تقوقعها داخل حيّز جغرافي سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى زوالها في محيط إسلامي واسع، ومن هنا كانت أمام خيارين: خيار سهل ويتمثل بإقامة جدار فاصل مع الآخر، وذلك بمعزل عن تداعياته ومدى قابليته للحياة، وخيار صعب ويقضي بالانفتاح على هذا الواقع في محاولة لتوسيع المشترك معه وصولاً إلى إقامة نظام سياسي مدني محوره الانسان بمعزل عن دينه.
وكل القوميات التي عرفتها المنطقة من القومية العربية إلى القومية السورية والقومية اللبنانية كان هدفها أوحد، وهو البحث عن مشترك يتجاوز الدين لبناء حياة مشتركة ومتساوية. وإذا كانت الظروف المتصلة بالجماعات وتطورها البطيء ربطاً بالأحداث وتراكمها أدّت بعد كل هذه القرون والعقود إلى تحوّل تاريخي لدى الطائفة السنية في محطتي ربيع لبنان والربيع العربي، هل يعقل في هذه اللحظة بالذات، التي قطعت فيها الجماعة المسيحية شوطا كبيرا من تحقيق أهدافها، أن تتراجع وتنكفئ وتبَدِّل في وظيفتها ودورها؟
ولا بل أكثر من ذلك تزامن التحول السّني مع نهاية نظام الأسد الذي كان في أساس معاناة المسيحيين اللبنانيين، وتراجع دور محور الممانعة مع سقوط أوراقه الواحدة تلو الأخرى من حماس إلى نوري المالكي الذي يتعرض لانتفاضة داخلية. وبالتالي، فإنّ دور المسيحيين الطبيعي أن يكونوا رأس حربة في إسقاط امتدادات هذا المحور في لبنان، لا تعويمه كما يفعل العماد ميشال عون منذ توقيعه وثيقة التفاهم، لأن استمرار "حزب الله" على ما هو عليه يعني إبقاء لبنان في غرفة العناية الفائقة.
وإذا كان استمرار الوجود المسيحي يشترط الاستقرار والحرية وفرص العمل، فإن وجود الحزب يشكل نقيضا لهذا الثالوث. وبالتالي، فإنّ مصلحة المسيحيين قبل أي شيء تكمن في إزالة الخطر عن لبنان، لأن كل محاولاتهم قبل ذلك ترتيباً لأوضاعهم آيلة إلى الفشل الحتمي. ومن هنا تبقى الأولوية للمواجهة السيادية.
وفي العودة إلى القانون الأرثوذكسي، فإنّ المعادلة التاريخية المتصلة بوحدة الأهداف المسيحية واللبنانية اهتزت وتخلخلت مع خروج فئة واسعة من المسيحيين مع العونية السياسية عن ثوابت هذه الجماعة ومسلماتها. وبالتالي، فإنّ وحدة الصف التي كانت في زمن "الجبهة اللبنانية"، على سبيل المثال، هي غير قائمة اليوم، لأن هذه الوحدة تفترض وحدة أهداف. فلا وحدة صف من دون وحدة أهداف، والعكس صحيح. فكيف يمكن أن يتوحد المسيحيون على التمثيل الصحيح ويختلفون في كيفية توظيف هذا التمثيل وطنياً؟ فالوحدة ليست هدفا بذاتها، بل غايتها تقوية الدور المسيحي تحقيقاً لأهداف سيادية واستقلالية ولبنانية، فيما الوحدة المسيحية اليوم على قانون الانتخاب ستبقي الانقسام المسيحي العمودي على حاله، فضلاً عن أنها خطوة معزولة في الزمان والمكان وغير قابلة للصرف وطنياً.
فلو جاء القانون الارثوذكسي على أرضية مسيحية موحدة بأهدافها كان أكثر من حاجة في هذه المرحلة لمضاعفة الجهود المسيحية-الوطنية في مواجهة مشروع "حزب الله"، أمّا أن يأتي على قاعدة انقسامية بين مشروعين متناقضين فلا يخدم القضية المنشودة من وراء هذه الوحدة، إذ ما الفائدة من التمثيل الفعلي إذا كان يعطي "حزب الله" الأكثرية؟ فأيّ طرف من طائفة أخرى يتشارك مع مسيحيي 14 آذار المبادئ نفسها يبقى أفضل ألف مرة من المسيحي المنتخب مسيحياً والملتحق بالمحور الإيراني.
إنّ تبَنّي القانون الارثوذكسي يعني بالحساب العملي خسارة قوى 14 آذار للأكثرية النيابية. وبالتالي، ماذا ينفع مسيحيي المعارضة لَو حققوا التمثيل الفعلي مقابل خسارتهم إمكانية الوصول إلى السلطة التي تبقى الهدف الرئيس لقطع الطريق على "حزب الله" أمام إمساكه بمفاصلها وأخذ البلد نحو خيارات انتحارية. فهذا القانون يؤدي عملياً إلى توازن مسيحي-مسيحي، لأنّ التفوّق الـ14 آذاري بحوالى 6 مقاعد يعوّضها عون عبر حزب الطشناق. وفي المقابل، ينجح الحزب في إيصال عدد لا بأس به من المرشحين السنّة الذين يشكلون الفارق لنَيله الأكثرية ووضع يده "شرعياً" على الرئاسة الثالثة.
قد تكون الشكوى من سلوك "المستقبل" في السنوات السبع المنصرمة في محلها، ولكن مواجهة هذا الواقع تكون بالمزيد من الشيء نفسه، أي باعتماد السياسة نفسها ومواجهة التيار الأزرق على أرضه ومع جمهوره وصولاً إلى تحقيق الشراكة الحقيقية التي تؤخذ بالممارسة والتراكم. فالحجم المسيحي لقوى 14 آذار اختلف بين عامي 2005 و2012، وهو مرشح لمزيد من التوسّع تباعاً، فما أخذ في 30 سنة لا يستردّ في 3 سنوات.
إن الرهان على رئيس الجمهورية لإبطال "الارثوذكسي" لعدم ميثاقيته هو في غير محله، لأن لا مصلحة مسيحية لسليمان في آخر عهده بالوقوف ضد بكركي ومعراب وبكفيا والرابية. كما أن الرهان على الرئيس نبيه بري هو في غير محله أيضا، لأنّ مصلحة الثنائية الحزبية الشيعية تكمن في الاحتفاظ بالسلطة التي يوفّرها لها "الارثوذكسي". وهذه الثنائية هدفها مزدوج: الاحتفاظ بالأكثرية ورئاسة الحكومة، ويستحيل تحقيق هذين الهدفين إلا عبر النسبية، وفي طليعتها "الارثوذكسي".
وفي التحليل الذي قد يكون وراء تبنّي هذا القانون، أن التجربة دلّت الى أنّ فوز 14 آذار في الانتخابات لا يقدم ولا يؤخر، لأنّ المُمسِك الفعلي بلبنان منذ العام 2005 هو "حزب الله". وطالما أن المعادلة الدولية-الإقليمية وحدها ستحدد دور لبنان ومصير سلاح الحزب، يبقى أن انتزاع تمثيل مسيحي فعلي في هذه المرحلة هو أفضل خطوة استراتيجية للمسيحيين تؤسس لعُرف جديد. وبالتالي، لا ضير من إعطاء الحزب السلطة المركزية على القرار، التي يملكها أساساً، مقابل قانون انتخابي يعطي المسيحيين سلطة لا مركزية كاملة تبدأ مع قانون الانتخاب ولا تنتهي مع رئاسة الجمهورية والوزارات والإدارات…
