عندما اعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي انه يقبل بما يتفق عليه المسيحيون من مشاريع قوانين الانتخابات النيابية، كان مقتنعاً ضمناً بان اتفاق المسيحيين على مشروع قانون مثل الطرح الارثوذكسي هو المستحيل الرابع بعد المستحيلات الثلاثة: الغول والعنقاء والخلّ الوفي.
وعندما اعلن حزب الله، على لسان عدد من نوابه وقياديّيه، انه مع مشروع القانون الذي يرضى عنه حليفه التيار الوطني الحر، كان يراهن في الحقيقة على عدم قبول مسيحيّي 14 اذار الطرح الارثوذكسي تماشياً مع حليفهم تيار المستقبل، ولعدم اغضاب النائب وليد جنبلاط، اللذين يقفان بشدّة ضد المشروع الارثوذكسي، علماً بأن تحالف 14 آذار في شكل عام، ومسيحيي 14 اذار في شكل خاص، كانا على اقتناع بأن التيار الوطني الحر وحليفيه حزب الله وحركة امل، يحاولون احراج حزبي القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية، والمسيحيين المستقلّين باعادة احياء المشروع الارثوذكسي، بعدما رفضه جميع المسلمين في 8 و14 اذار، وحشرهم في الزاوية اما لايجاد شرخ في التحالف بينهم وبين تيار المستقبل في حال قبلوا المشروع الارثوذكسي، او لاستغلال رفضهم المشروع، لدى الجمهور المسيحي، وتسجيل انتصار عليهم في الانتخابات النيابية المقبلة، لكن المفاجأة غير المنتظرة التي انفجرت امس الاول في بكركي، بتبنّي مسيحيي 14 اذار مرة ثانية المشروع الارثوذكسي على قاعدة اللحاق بخصومهم السياسيين الى باب الدار، من شأنها ان تعيد الكرة الى ملعب 8 اذار، وتدفعه من جديد الى شرب كأس من اثنتين احلاهما مرّة، امّا كشف حليفهم المسيحي امام جمهوره والتخلّي عنه، وامّا القبول بالمشروع الارثوذكسي، وتحمّل الشماتة من جمهوره، والغضب من حلفائه المسيحيين الذين كانوا يصلون الى الندوة النيابية، بأصوات الشيعة.
* * * *
اغلب الظن ان التيار الوطني الحر وحليفيه أمل وحزب الله، لعبوا مغامرة الروليت الروسية، عندما انطلقوا من اقتناع مطلق، بأن مسيحيي 14 اذار، وقعوا في فخّ الحيرة والقرار الصعب، وان الطريق الى النصر في الانتخابات النيابية اصبحت سالكة وآمنة بواسطة الدوائر المتوسطة الـ 13 والنظام النسبي، او السيطرة على الاقضية ذات الاكثرية المسيحية، عن طريق قانون الستين والنظام الاكثري، ولكن قبول القوات والكتائب والمستقلين المشروع الارثوذكسي بعد اطمئنانهم الى النتائج الايجابية التي أكّدتها استطلاعات الرأي العديدة، كانت اشبه برصاصة الروليت التي تستدعي من قيادات 8 اذار اجتماعات على مستوى عال جدا حتى يروا في امرهم ما حلّ بهم، بعدما كانوا يحفرون حفرة لخصومهم، وقعوا فيها، على اعتبار ان استطلاعات للرأي اجريت في مختلف المناطق اللبنانية ترجّح انه في حال اجريت الانتخابات في موعدها المحدد، فان مسيحيي 14 اذار سيفوزون وفق هذه الاستطلاعات بحوالى 38 مقعداً من اصل 64 اي بفارق 12 مقعداً عن مسيحيي 8 اذار، بعدما كانت الاستطلاعات ترجّح المناصفة منذ حوالى ستة اشهر، وهذه النتيجة في حال توافرت مع الاستطلاعات ستؤمّن لقوى 14 اذار اكثرية مريحة، اذا تم ترميم التفاهم مجدداً مع النائب وليد جنبلاط.
يبقى ان إلحاح قوى 14 اذار على رئيس مجلس النواب للدعوة الى عقد جلسة عامة للنواب للتصويت على مشاريع قوانين الانتخابات، يهدف الى تأكيد اجراء الانتخابات في موعدها اولاً مهما كانت نتائج التصويت، ولكشف المستور ثانياً من محاولات ومناورات 8 اذار لذرّ الرماد في العيون.
في نهاية المطاف، ووفق ردود الفعل الاولى على تبنّي الاحزاب والقيادات المسيحية المشروع الارثوذكسي، يبدو ان مسيرته ليصبح قانوناً نافذاً ليست سالكة وآمنة بالسهولة التي يظنها البعض، بوجود حاجز اساسي لا يمكن تخطّي عقباته الدستورية التي يتمسّك بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وهدّد باستعمال كامل صلاحياته لوقف تنفيذه لاعتباره متعارضاً مع نصوص الدستور وصيغة العيش المشترك، ويشاركه في هذا الموقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وجميع رؤساء الحكومات السابقين، والنائب وليد جنبلاط والنواب المسيحيون في 8 اذار، كما صدرت مواقف رافضة من الجماعة الاسلامية والحزب السوري القومي، ولم يعرف حتى الآن موقف الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية، حتى ان اساقفة موارنة يتخوفون من وصول نواب اصوليين وتكفيريين المستفيدين ممن النظام النسبي، ومن وصول الاسلاميين الى الحكم في عدد من الدول العربية، كما يعوّل البعض على استمرار التفاهم بين الرئيس سليمان وبين البطريرك الكاردينال مار بشاره الراعي، بما يضع عقبة اضافية امام تمرير المشروع الارثوذكسي، ما يشير الى ان الايام المقبلة حبلى بالمفاجآت.