#adsense

الإمتحان الأخير!

حجم الخط

بعدما أضاعت الأحزاب المارونية زهاء ثماني سنوات في تجهيل قانون الانتخاب أو تغييبه، متفرّجة على قوانين يعدّها غيرها مثلما حصل في الاقتراح الذي أعدّته لجنة فؤاد بطرس أو الاقتراح الذي أقرته حكومة "ميقاتي ـ حزب الله" أو "حكومة القمصان السود" الذي يفضي إلى تقسيم لبنان 13 دائرة انتخابية مع تطبيق آلية الاقتراع على أساس النظام النسبي، وقد علّقنا على هذا الأمر مراراً، ليس إلّا لأن النسبية لا تتلاءم مع ما رَمى إليه اتفاق الطائف لجهة استحالة تحقيق المناصفة.

فالنسبية تعبّر بكل بساطة عن نسبة الناخبين المسيحيين في انتخابات عام 2013 البالغة 36 ٪ من مجموع الناخبين ورقيّاً (أمّا فعليّاً فهم بعيدون عن هذه النسبة)، أي أنهم لا يمكنهم أن يختاروا أكثر من 46 نائباً حداً أقصى بإرادتهم الحرة، وفي ظل التمثيل الطائفي سيفوز ربع النواب على أساس النظام الأكثري، 32 نائباً يتوزعون على 60 ٪ من الدوائر بسبب عدم وجود مقعدين من المقاعد المخصصة للطوائف في هذه الدوائر، وان قدرة التصويت لدى المسيحيين ستتراجع في كسروان مثلاً من 88 ٪ إلى 68 ٪ بسبب إلحاقها بجبيل، وفي المتن من 95 ٪ إلى 68 ٪ بسبب إلحاقها ببعبدا، وفي جزين من 77 ٪ إلى 21 ٪ بسبب إلحاقها بصور والزهراني وصيدا، كذلك ستتراجع قدرة التصويت لدى السنة في صيدا من 93 ٪ إلى 31 ٪ بسبب إلحاقها بصور والزهراني وجزين.

وعليه، فإنّ مشروع حكومة ميقاتي الذي اغتبط له "حزب الله" فرحاً كونه سيحصد 69 نائباً من خلاله، من دون أن يكون "الاشتراكي" إلى جانبه، وإلّا فسيحصد 79 نائباً، وقد دَفّ له وزراء التيار، وهم حتى هذه الساعة لا ينكفئون عن التصريح أنهم يريدون استعادة النواب المسلوبين (على رغم أنهم قد اعتقدوا أنهم استعادوا الشراكة والتمثيل الصحيح قبيل عودتهم من الدوحة). وفي المقابل صوّتوا على النسبية في مجلس الوزراء الذي لا يحقق إلّا المثالثة. وبعد ذلك، بل وعلى رغم ذلك، فقد تقدموا لاحقاً باقتراح قانون يرمي إلى الانتخاب على أساس الانتماء الطائفي فقط (أي ما يُسمّى خطأ المشروع الأرثوذكسي، وقد طرحته الرابطة المارونية في ثمانينيات القرن المنصرم بعد أن كان قد طرحه الراحل الكبير النائب إدمون نعيم في الستينيات)، وفي ذلك قمة التناقض لأنّ من يريد هذا الاقتراح في مجلس النواب لا يصوّت قبله على ذاك المشروع في مجلس الوزراء.

وإذا كنّا لسنا في صدد إطلاق الأحكام بحقّ أحد، إلّا أننا نريد حلاً لهذه المعضلة، فقوى 14 آذار تبنّت مشروعنا القاضي بتقسيم لبنان 47 دائرة وجعلته 50 دائرة بعد أن عدّلت في ثلاث دوائر، وهذا ما يؤيده تيار "المستقبل" وفق ما صرّح بذلك رئيس الكتلة الرئيس فؤاد السنيورة من الصرح البطريركي، فيما لم يتبَنّ حينذاك حلفاء التيار، ولا سيما منهم "حزب الله" وحركة "أمل"، مشروع اللقاء الأرثوذكسي لكنهم اليوم عادوا وتبنّوه !!! .

هكذا، ومثلما أضاعت الأحزاب المارونية فرصة كبيرة لإعادة التوازن منذ ثماني سنوات، ها هي اليوم تتناحر على قانون الانتخاب، ليس لإعادة التوازن، بل لإقرار قانون يؤمن لكلّ فريق الفوز بالانتخاب. وفي ظلّ هذا التناحر جانب ديموقراطي، لكن الجانب المتعلّق بإعادة التوازن والتمثيل الصحيح بعيد كل البعد عن اهتمامات هؤلاء. ولكي لا ترسب هذه الأحزاب في الامتحان الانتخابي الأخير الذي لن تكرره قبل سنة 2017 وعندها لا ندري أين سترسي سفينة هذا الوطن، ما عليها إلّا المزاوجة بين المشاريع المطروحة قيد التداول، وهي: مشروع اللقاء الأرثوذكسي الذي لا يحظى بإجماع اللبنانيين، والنسبية التي تحقق المثالثة، لا بل تكرّسها، والدوائر الصغرى من خلال إقرار التقسيمات على اساس الدوائر الصغرى (47 دائرة) مع آلية الاقتراع على أساس "لكلّ ناخب صوت واحد One Person one vote"، وفي ذلك نكون قد دمجنا المشاريع كلها، بغية تحقيق التوازن وتطبيق المناصفة الحقيقية.

وإنّ أي إصرار على النسبية لا يحقق هذه الغاية لأنها تؤدي إلى المثالثة التي سعى البعض الى تحقيقها بعد نشوة "العدوان المجيد" على اللبنانيين في 7 أيار. وقبل هذا العدوان في الصالونات السياسية التي امتد صداها إلى طهران أو أتى منها سيّان.

وتفضي آليّة "One Person one vote" إلى تجنّب تأثير الناخبين الشيعة مثلاً على غيرهم من الناخبين، والعكس صحيح، مثلما يحصل في دوائر جبيل وبعبدا وجزين وبعلبك ـ الهرمل والبقاع الغربي وزحلة، وكذلك الأمر بالنسبة الى الناخبين السنّة، بحيث يتمكن المسيحيون من انتخاب 64 نائباً، وما سوى ذلك من مشاريع تبقى في إطار التجاذب على المصالح أو تعارضها بين سائر الأطراف. وهم حتى تاريخه لم يتمكنوا من أن ينشئوا مجلساً دائماً ليضع الخطوط العريضة لهم، شأنهم شأن أيّ أقلية في العالم، بحيث تحدد لهم الخطوط العريضة لأنماطهم السياسية التي تمنع عليهم مخالفتها، منعاً لتعارض مصالحهم وتقطيع أشلاء الطائفة، وإلا فهم ليسوا أهلاً للحفاظ على إرثها وعلى نضالاتها التاريخية.

وحالياً لا يبدو أن هناك جسماً متمكّناً يمكنه أن يؤدي هذا الدور سوى الرابطة المارونية التي راحت تؤدي دوراً مهماً في الآونة الأخيرة، خصوصاً في لجانها المتخصصة واقتراحاتها الوطنية، عسى أن يتمكن مجلسها المقرّر انتخابه في 23 آذار المقبل من القيام بهذا الدور. وكم كنّا نتمنى ألّا نعالج مسائل مماثلة لولا أن الدستور اللبناني لا يزال توافقياً ذا تمثيل للجماعات الطائفية، وإلّا ولو كنّا في دستور دولة مدنية فحبذا علينا أن ننادي بلبنان دائرة انتخابية واحدة وعلى أساس النظام النسبي، وذلك في ظل نظام حزبي عصري يتمّ فيه التداول على رئاسة الأحزاب، وليس مجرد أحزاب أشخاص أو بيوت وعائلات سياسية تختصر الحياة السياسية وتزيدها عقماً على عقم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل