علّ الذكرى تنفع السائرين في ركاب المعارضة وعون؟!
الفرد نوار
الفرد نوار
أثبتت التطورات ان المعارضة ليست في وارد القبول إلا بما تراه يكفل تحكّمها بقرار الدولة. وهي عندما تُصرّ على تكبيل الرئيس العتيد بشروط لا مكان لها في الدستور والقوانين والأعراف، تكون قد تخطّت المنطق إلى ما يصحّ وصفه بـ«مؤامرة التدمير الذاتي للبلد». والأدلّة كثيرة في مقدّمها طلب الثلث الوزاري المعطّل، وثانيها وضع الأكثرية امام خيار التسليم لقوى 8 آذار، او بقاء الوضع العام على كفّ عفريت!
وطالما ان قوى الاقلّية تُطالب بالشيء وبعكسه، فلأنها تعرف ان ثمّة استحالة للأخذ بما تتطلّع اليه، بحسب المجريات الاقليمية والمردود الاقليمي والتأثير الاقليمي، وهي امور لا تقبل اي تفسير لا يأخذ في الاعتبار ما تطرحه قوى 8 آذار، إن من الجانب السوري او من الجانب الايراني. وفي الحالين يظهر من رد فعل المعارضة على اي دور للاميركيين في لبنان، وكأن هناك مَن يهمّه استمرار مساعي اميركا وأوروبا والاشقاء والاصدقاء للقول ان لبنان يقع في دائرة الزلازل الدولية، ولا يمكن لأحد البحث في معالجة اموره بمعزل عمّا تقبل به سورية او ترفضه بالتزامن مع رغبة ايران او رفضها الخوض في تفاصيل اخرى لها علاقة بملفّها النووي وبقضايا فلسطين والعراق!
مشكورة معارضتنا على افقها السياسي الاقليمي والدولي الواسع، حتى وإن كان القصد من تعقيداتها الداخلية استمرار ازمتنا لأكبر مدة ممكنة، بدليل محدودية الاستيعاب لديها، خصوصاً عندما ترى انها هي الاقوى فيما لا تقدر على تأكيد مفهومها للقوة بغير الاستمرار في التوتير والتصعيد وخلخلة المؤسسات العامة والخاصة على السواء.
من سوء طالع المعارضة انها تفهم في السياسة ما لا مجال، لأن تبلغه في ممارستها، لا سيما ان شلّ قدرات الدولة لا يعني انها وصلت الى مبتغاها. وان منع تعافي البلد لا يعكس واقعها كقوة سياسية مؤهّلة، لأن تحكم وتتحكّم بأمور الناس.
وعلى رغم كل ما تقدّم، ليس بوسع احد القول ان قوى 8 آذار لم تثبت قدرتها على احتكار السلبية في التعاطي العام. فضلاً عن ان المعارضة عندما تقول انها منعت الاكثرية من ان تُهنأ بفرض سيطرتها تكون قد اعترفت بخطأ ممارستها السياسة من الناحية السلبية التي تبقي فصائل الاقلّية في دائرة السباب والشتائم والتوتير، كي لا يُقال انها لم تثبت جدواها.
والذين لا يهنأ لهم عيش إلا في حال أصرّوا على «تهشيم الشيطان الاكبر اميركا». وهؤلاء في غير وارد الانتقال الى اتّهام آخر، ربما لأن «اسطوانة الموسم تسجّل المزيد من النجاح والانتصارات» مع العلم ان احداً لم يقل ان البدائل التي تطرحها المعارضة قد بلغت ما فوق زنار ميشال عون الذي يتلذّذ في الاشارة الى ان ورقة المعارضة في مستوى مكانها في جيبه!
قبل مرحلة الانتخابات الرئاسية، لم تتوقّف قوى 8 آذار عن تهديد الجميع تارة بالشرّ المستطير وتارة اخرى بالاحتكام الى الشارع وطوراً بتفتيت القوى العسكرية والامنية، وصولاً الى جعل مؤسسات الدولة اثراً بعد عين!
وفي مرحلة المدّ بعمر الأزمة، استمرّت المعارضة في نغمة «الاستعداد لتدمير البلد»، قياساً على تجارب حليفها العوني، من دون ان تظهر للبنانيين «ماهية بتعها»، الى ان وصلت الامور الي حدّ ابقاء هذا «الوطن الملحق» بلا رئيس، بما في ذلك وضع الرئيس العتيد وحكومته امام خيارات التحكّم بالسلطة مباشرة وغير مباشرة.
قد تكون قوى 8 آذار مقتنعة بأنها ستنتهي سياسياً في حال تخلّت عن شروطها. لكن ما هو مؤكد في المطلق ان قوى 14 آذار تُدرك بدورها ان البلد سينتهي كدولة ومؤسسات ودستور وأنظمة وقوانين في حال انصاعت لمطالب مَن لم تعد الدولة تعني لهم شيئاً سوى مصالح خاصة وشخصية؟!
يقول احد علماء النفس، ان المعارضة في وضع مُضي شبيه بحال المصاب بداء يُدرك انه لن يتعافى منه. لذا، يُفضّل الاعتماد على الخيارات الصعبة المتاحة أمامه اوتلك التي يخترعها، طالما انه يعرف مُسبقاً استحالة تعافيه ونجاته منه (…)
هذا التشخيص العلمي والنفسي والعملاني لا يقبل تأويلاً مختلفاً، خصوصاً أن مَن يقبل بتسليم قياده ورقبته الى ما قد يصدر او لا يصدر عن شخص عجنته التجارب الدامية والفاشلة مثل ميشال عون، لا بدّ وأن لا يكون في وضع عقلي ونفسي أفضل من «الطفل السياسي المعجزة»، الذي أتحف اللبنانيين يوماً بقوله انه يشرفه ان يكون جندياً تحت أمرة الرئيس حافظ الأسد، ثم أتحفهم في وقت لاحق بقوله انه «سيكسر رأسه وسيهزّ المسمار»، قبل ان يُفاجأ باقتلاعه من قصر بعبدا، حيث كان يغتصب السلطة (…) والبقيّة معروفة لدى من عنده «غرام عقل»!
مرجع رسمي معارض اعترف امام اعلاميين انه لم يفاجأ بالفرح الذي عبّر عنه النائب ميشال عون عندما قيل له ان قوى 8 آذار اولته ورقة مطلقة الصلاحية لمفاوضة الموالاة، بقدر ما فوجئ بالاشارات المتكررة التي صدرت عن «الجنرال الحليف» خلال احاديثه عن ان «الشروط في جيبه»؟!