المحكمة: الإنجاز… والأفخاخ!
شكلت السنوات الثلاث الماضية من عمر لجنة التحقيق الدولية العاملة في لبنان إثباتاً قاطعا على السطوة الاستثنائية التي رفعها المجتمع الدولي في مواجهة من اراد لهذا المجتمع ان يتمرغ في ذيول الفشل وان يسقط نهائيا وسط البيئة المضطربة والدامية في لبنان. ونادرا ما عرف العالم تجربة تحقيق دولي مماثل استطاع "النجاة" والاستمرار فيما هو عرضة لنارين حارقتين: نار حرب اغتيالات وحشية وشرسة ارادت للتحقيق ان يغرق ويضيع وسط اشلاء الضحايا المتعاقبة في سقوط دموي مريع للعدالة والامن والحقيقة، ونار الانقسامات الداخلية اللبنانية القادرة بهولها على تعجيز العالم ودفعه الى رفع يديه استسلاما أمام تعقيدات البلد العاصي على اي احتواء.
واذ تقترب لجنة التحقيق في مسارها الصعب والاستثنائي من مرحلة حاسمة فاصلة ابتداء من كانون الاول لتضع معها تقريرها المفترض ان يكون نهائيا عشية تشكيل المحكمة الدولية وانطلاقتها الماراتونية الاشد اثارة في حبس انفاس العالم ولبنان، ليس غريبا على الاطلاق ان تتصاعد في لبنان مجددا حمى التوقعات والسيناريوات والتسريبات والروايات والمواقف في جلبة على الطريقة اللبنانية يختلط فيها حابل الوقائع الجادة بنابل الاساطير المركبة.
فما دام العالم يحبس انفاسه عند كل تقرير دوري تصدره اللجنة لتلمس العناوين الشحيحة والغامضة الجديدة التي بالكاد يجود بها واضع التقرير في جريمة العصر اللبناني وما تلاها من جرائم تسلسلية صارت في مجملها امانة إلزامية قانونية وأخلاقية في عنق المحكمة الدولية، فكيف بلبنان الذي اُجبر تحت وطأة اشد تجاربه وحشية ودموية على اخضاع العالم لتجربة إحقاق الحق واثبات صدقية عدالته وردع الاجرام السياسي الاخطر من الارهاب المنظم او العشوائي".
وعلى رغم ان الحمى اللبنانية التي بدأ يحركها العد العكسي لصدور التقرير النهائي (مبدئيا) لرئيس لجنة التحقيق ايذانا بولادة المحكمة وانطلاقتها، هي حمى طبيعية وبديهية ومبررة بالكامل، غير انها لا تبرر في المقابل عدم التنبه الى مزالق ومحاذير قد تثيرها الانفعالات المضخمة وتضحي من حيث لا يدرك اصحابها "شريكة" ضمنية لكل من يسعى الى الاقتصاص من لبنان ومعاقبته "في داخله" على اللجوء الى العدالة الدولية.
في طبيعة الحال ستشكل النهاية المفترضة للتحقيق الدولي على ارض لبنان وانتقال العملية برمتها الى لاهاي انجازا دوليا ولبنانيا لا مرد له وغير قابل لأي تشكيك او عرقلة ما دامت المسألة صارت بالكامل في عهدة الامم المتحدة. لكن هذا لا يعني انتفاء المخاوف من اثمان امنية وسياسية في الداخل اللبناني، ربما تضحي اخطارا محققة اذا تكشفت الوقائع الجادة عن بلوغ التحقيق مراحله النهائية فعلا.
ويفرض هذا الواقع الناشئ بشقيه الدولي واللبناني التزام سلوك داخلي في غاية التحفظ والمهابة لأن الامر لا يتعلق باثارة كلامية واعلامية سرعان ما تلهب معارك هامشية عبثية في غير اوانها، بل ان عدم التنبه الى الافخاخ الكثيرة التي قد تكون نصبت للبنان في المرحلة المقبلة تجعل من السهولة بمكان انزلاقه نحو هذه الافخاخ وسط مناخ منفعل وموجة استباق للمجريات الدولية المتصلة بالتحقيق والمحكمة.
ولا يزال لبنان طري العود وبالكاد يتلمس نتائج رياح دافئة هبت عليه من داخله هذه المرة من دون "جميل" احد، وان ادعى عرابون خارجيون كثر افضالهم في مناخ الاسترخاء النسبي الذي يشق طريقه على خطى النملة. ولعل هذا الامر هو الادعى لجعله مظلة الامان الحقيقية في استقبال اي تطور ايجابي ترفد به عملية إحقاق الحق الدولية الاستقرار اللبناني.
لذلك فان لبنان سيبقى قبل المعنيين بالمحكمة الدولية رهينة الاختبار الكبير لانجاح قضيته. فحذار تقديم الذرائع السطحية للمفخخين المترصدين على اكواع كثيرة!