#adsense

العدالة الدولية تُمهل الأسد.. ولا تهمله

حجم الخط

لا تزال العدالة الدولية في طور تعداد الأرقام الهائلة للشهداء في سوريا وكذلك الجرحى والمفقودين عدا عن المشردين داخل البلاد وخارجها الذين باتت هيئات المجتمع الدولي عاجزة تماماً عن إحصائهم واحتواء مأساتهم، من دون أن تحرك هذه العدالة ساكناً حتى الآن، ذلك لاعتبار أن المحكمة الجنائية الدولية الممثلة للعدالة الدولية الجنائية لم تشغل أجهزتها وتبادر إلى التحقيق أو أقله الاستقصاء عن جرائم الإبادة والقتل الجماعي والتهجير القصري واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها من الجرائم، لتبدأ إجراءات المساءلة.

في ثورة ليبيا مثلاً، تحرك مجلس الأمن بأقطابه سريعاً وتم إعطاء الصلاحية للمحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرات توقيف دولية بسرعة خارقة بحق الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ونجله وبعض أركان حكمه، رغم أن الجرائم التي يرتكبها النظام السوري على مدار سنتين بحق شعبه، يندى لها جبين العالم، لشدة هولها وفظاعتها، وتفوق وحشيتها الكثير من الجرائم والمجازر التي ارتكبتها الديكتاتوريات عبر التاريخ البعيد والقريب.
من هنا يطرح السؤال: هل العدالة الدولية هي عدالة مسيّسة؟

وهل ما يرتكب من جرائم في سوريا يدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؟

يأخذ الكثيرون على العدالة الدولية أنها عدالة انتقائية، بمعنى أن معايير الملاحقة والتحقيق والمحاكمة لا تطبق بالتساوي على جميع الأنظمة المجرمة، وأن الاعتبارات السياسية والتدخلات تمنع الملاحقة والتحقيق في بلدان دون أخرى لحسابات وارتباطات سياسية بين الدول العظمى والمؤثرة .

لقد شكل قيام المحكمة الجنائية الدولية في العام حلماً لمنع إفلات أي مجرم من العقاب مهما كانت حصانته ومهما كان وضعه السياسي. فجاءت هذه المحكمة من أجل استكمال تطبيق المبدأ القانوني الدولي القاضي بمنع الإفلات من العقاب ومبدأ عدم حؤول الحصانات دون ملاحقة المجرمين. ولكن تحقيق هذا الحلم لم يكتمل لأن صلاحية الجنائية الدولية لا تشمل كافة الدول؛ كما أن حصر الملاحقة في بعض الحالات يستدعي صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي، مما يعني أن تحريك أجهزة المحكمة الجنائية لملاحقة بعض المجرمين يستدعي قراراً سياسياً من مجلس الأمن كما هو الحال الآن في سوريا. بالرغم من أن مسألة عدم الإفلات من العقاب وعدم وجود حصانات أضحيا مبدأين أساسيين يرتكز عليهما الفقه والاجتهاد الجنائيين الدوليين؛ إلا أن العقبات والمصالح السياسية تحول دون تطبيق هاتين القاعدتين الأساسيتين التي يرتكز عليهما القانون الجنائي الدولي.

إن العدالة الدولية تدخّلت لمعاقبة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة، وأنشئت لذلك محكمة خاصة كما هو الحال في راوندا وكمبوديا وتيمور وغيرها من الدول ولا تزال تلك المحاكم تعمل بالرغم من العقبات التي اعترضتها. وأصدرت بعض الأحكام بحق عدد من المجرمين من رؤساء دول ومسؤولين فيها؛ وما زالت تلاحق البعض. ولكن الأهم بالنسبة لعمل تلك المحاكم هو أنها وضعت حداً لحالات الإفلات من العقاب بالنسبة للرؤساء والمسؤولين الذين يتمتّعون بحصانات سياسية فألقي القبض على العديد منهم وحوكموا بأحكام قاسية؛ ولكن الأهم من ذلك هو أن الكثير من رؤساء الدول والمسؤولين في شتى دول العالم باتوا يدركون أن الهروب من المسؤولية الجنائية أصبح أمراً صعباً.

كذلك الأمر فإن قيام المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، التي هي من حيث المبدأ محكمة جنائية دولية مختلطة؛ هدفت إلى محاكمة هؤلاء القتلة ومنع الجريمة السياسية المستمرة في لبنان منذ تاريخ إنشاء دولة لبنان وحتى هذه اللحظة. وإن كان هدف هذه المحكمة لم يتحقق حتى هذه اللحظة؛ وإذا كانت الجرائم التي تلت اغتيال الرئيس الحريري هدفت إلى عرقلة قيام تلك المحكمة؛ إلا أن المحكمة كشفت أسماء متهمين وبدأت المحاكمات فيها تأخذ مجراها باتجاه كشف الحقائق ومحاكمة المتورطين. وسيكون لصدور تلك الأحكام وتطبيقها أثر مهم في مجرى العدالة الدولية، وعلى الصعيد الوطني اللبناني كما على الصعيد الدولي لوقف جرائم الاغتيال السياسي، وليعرف المجرمون أن العدالة ستطالهم أينما كانوا.

أما بالنسبة لسوريا، فهي دولة غير موقعة على اتفاق روما، أي على اتفاق إنشاء المحكمة الجنائية الدولية والانضمام إليها؛ ما يعني نظرياً أن لا صلاحية للمحكمة الجنائية الدولية للتدخل في الشأن السوري. ولكن نظام روما أعطى مجلس الأمن الدولي صلاحية إحالة أي ملف يتعلق بدولة غير عضو في الجنائية الدولية إذا صدر قرار بذلك عن مجلس الأمن الدولي وهو الأمر الذي لم يتم حتى هذه اللحظة باعتبار أن دولاً, كروسيا والصين ستعارضان ذلك.

إن نظام المحكمة الجنائية الدولية أعطى المدعي العام لديها صلاحية التحقيق في جرائم تدخل ضمن اختصاصها من دون العودة إلى مجلس الأمن عندما يتعلّق الأمر بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وهذه الجرائم ترتكب يومياً في سوريا على مرأى ومسمع العالم كلّه ومجلس الأمن ومدعي عام المحكمة الجنائية الدولية. وهذ الأخير عليه أن يواكب الاجتهاد والفقه الجنائي الدوليين اللذين يمنعا الإفلات من العقاب لأي رئيس دولة أو مسؤول عندما يرتكب تلك الجرائم .

في المفهوم العملي، وإذا ما سلمنا جدلاً بأن المحكمة الجنائية الدولية لا تستطيع التحرك والتحقيق في الجرائم التي يرتكبها النظام السوري إلا بقرار سياسي من مجلس الأمن؛ فإن الأخير مكبل بالمصالح السياسية بين روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا؛ إلا أن الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة الذين يشكّلون الجمعية العامة يستطيعون في ظل الانقسام في مجلس الامن، أن يتخذوا قراراً بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية من دون العودة إلى المجلس والطلب من مدعي عام المحكمة القيام بالتحقيقات اللازمة لإصدار أوامر الاعتقال والمذكرات بحق المجرمين، كما أن نظام المحكمة أعطى هامشاً من الحرية للمدعي للتحقيق من دون العودة إلى مجلس الأمن.

إن الإجراءات التي بدأتها منظومة الأمم المتحدة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وغيرها من المحاكم الدولية الخاصة والمختلطة لمنع الإفلات من العقاب لأي مجرم مهما كانت حصانته ولوضع حد للجرائم الأشد خطورة لن تكتمل، إلا بمعاقبة كل المجرمين من الرؤساء والمسؤولين وغيرهم الذين يرتكبون الجرائم وما زالوا من دون ملاحقة، ويترتّب على ذلك إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي النظام السوري، وإن كان خيار إحالة الملف إلى المحكمة الدولية هو الأَولى نظراً لوجود تلك المحكمة ولإمكانية تحقق كافة شروط صلاحياتها في الملف السوري، ولصلاحية مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية بالتحرك عفواً.

من هنا فإن العدالة الدولية لن تستقيم إلا بمحاكمة كل مجرم يتمتع بحصانة ويظن بأنه بمنأى من الملاحقة، وهذا مبدأ القانون الدولي الجنائي، وهو الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها القانون والفقه والاجتهاد الجنائي الدولي، إن مساعي الدول العربية والأوروبية وغيرها من الدول التي طالبت بإحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية يجب أن يفعل فعله لتأمين الأكثرية من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، لإصدار قرار بإعطاء الصلاحية للمحكمة الجنائية الدولية في ظل تقاعس مجلس الأمن عن القيام بواجبه وفي ظل نأي مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية عن القيام بالتحقيقات المطلوبة منه بحكم موقعه القانوني.
 محامٍ بالاستئناف، وخبيرٌ في القانون الدولي

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل