استقالة رياشي من مجلس مستقيل حكماً تؤكد أنه لولا المحكمة الدولية لكان ملف الحريري في خبر…كان
القضاء اللبناني: بين المعالجة بالشعار وبين درس المجلس الدستوري
الحدث القضائي، أمس ليس عنوانه استقالة القاضي رالف رياشي من عضوية مجلس القضاء الأعلى بل استقالة مجلس القضاء الأعلى من وظيفته أصلا، بحيث غاب عن جلسة هدفها البت بالتشكيلات القضائية جميع أعضائه، باستثناء رئيسه القاضي انطوان خير الذي يتهيّأ للإستقالة، ومعه رياشي، الذي يتهيأ للإنتقال الى لاهاي.
وهذا الحدث ليس تعبيرا عن أزمة طفيفة يمكن التغلب عليها، بل هو ترجمة لحالة مرضية مزمنة، لم يُحسن أي مسؤول معالجتها، على اعتبار أن الكراسي تصبح مصانع لإنتاج الشعارات الطنّانة… ولكن الخاوية.
ومن يُدقق بوضعية القضاء اللبناني، منذ سنوات طويلة يُدرك بأن العدالة اللبنانية، بدل أن تنخرط في مهمة إصلاح المجتمع، إندمجت هي في مسار الفساد الذي يُفكك هذا المجتمع.
ووفق هذا الإنجرار مع السائد، باتت مظاهر الإنحلال تتكدس، ويمكن اختصارها وفق الآتي:
اولا، بات القاضي يقف على أبواب السياسيين، واضعا حدا لذاك الزمن الذي كان فيه السياسيون يقفون على أبوابه (وكان مشكوا منه).
ثانيا، راح القاضي يبحث عن وسائل إثراء تُرضي النهم الإستهلاكي في عائلته، بدل أن يكون السيف الذي يقطع دابر هذه الظاهرة التي تنخر أسس المجتمع ببرجوازية مستحدثة على حساب الحق العام.
ثالثا، أصبح القاضي عضوا في مجالس الملل الطائفية بدل أن يكون عابرا للطوائف.
رابعا، أُتيح للقاضي أن يسقط في هوة »العصبوية»،بحيث وجد نفسه يستسهل الإنخراط في عصبويات أخرى، فمن ظلم العامة من أجل »هيبة القضاة« على حساب مفهوم العدالة ونصوص القانون، وجد نفسه يصارع لعصبويته الطائفية والأكاديمية والسياسية والحزبية والزعاماتية على حساب تطبيق المبادئ واحترام القسم.
خامسا، أُعطي القاضي حق ارتكاب المعصيات من خلال التلاعب على آليات المساءلة، فعلى سبيل المثال لا الحصر تتكدّس الملفات التأديبية لأربعين قاضيا أمام مجلس تأديبي ألغى وجوده، فيما لا تستطيع هيئة التفتيش القضائي ان تنتهي من شكاوى بالمئات مودعة لديها، ناهيك بأن »العصبوية» وتبادل الخدمات سمحت لقضاة، على غرار عدنان عضوم وربيعة قدورة، ان يعيشوا حياة طبيعية ويستفيدوا من رواتبهم ومن التقديمات، في حين استمرت أدوات الحالة العضومية في مناصبها، تتلاعب بمصير المتقاضين على خلفيات سياسية،وتطرح التسويات حتى تُرضي متسلطا هنا ونافذا هناك.
سادسا، قدّمت الطبقة القضائية ـــ وهذا تعبير عن واقع الحال وليس عن المرتجى الدستوري ـــ كل الأدلة على أنها تستقوي على الطبقات الضعيفة وتضعف أمام الطبقات القوية. عندما ضرب الرئيس السابق أميل لحود عرض الحائط بمشروع التشكيلات القضائية لم يُحرّك القضاة ساكنا، وحين قرأت إعلامية شكوى عن قاض حصلت انتفاضة وصيغت نصوص لمعاقبة الإعلام والصحافة!.
والحديث عن هذه الأعراض المرضية التي تكاد توصل القضاء الى حالة تفكك، لا يعود الى حدث الأمس، بل هو يأتي بمناسبته، ذلك أن المسارعة، غداة ثبوت تورط النظام الأمني اللبناني ـــ السوري بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الى المطالبة بمحكمة دولية، جاءت على خلفية معرفة هذا الواقع المشكو منه، لئلا تضيع الحقيقة وينتهي الحساب،كما أن وقوف حلفاء القتلة المفترضين ضد المحكمة الدولية وإصدار دواوين الغزل بالقضاء اللبناني، جاء على خلفية المعرفة أيضا بهذا الواقع المرضي،من أجل تمييع الحقيقة والحيلولة دون العقاب.
وفي حال استمر الحال على ما هو عليه، فمن البديهي أن يترقب اللبنانيون أن يصحوا يوما ويجدوا أنهم وطن بلا قضاء. ويومها لن تحصل ضجة تذكر، لأن المسار القضائي أساسا يُشعر اللبنانيين بأنهم يعيشون منذ سنوات بلا عدالة، فما الضير إن غابت من الوجود الأداة العاجزة عن توزيع العدالة المفقودة.
ومن يُدقق باستقالة سابقة للقاضي رالف رياشي، على خلفية، عمل غير قانوني أقدم عليه مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية آنذاك نصري لحود وبين استقالة الأمس،يدرك أن القضاء اللبناني لم يعد يعصف في الوجدان اللبناني.
آنذاك قامت الدنيا ولم تقعد وتحرّك الجميع من أجل احتواء الضجة التي أحدثتها استقالة رياشي، اما حاليا فكانت هناك حتى بين كبار الصحافيين تساؤلات عن أهمية إعطاء هذه الخطوة أولوية في النشر أو في المتابعة.
إلا أن القضاة لا يدركون هذه الحقيقة، لأنهم يعيشون حالة من حالات الغيتوات، فالمجتمع الذي يخالطونه، خارج إطار التجمعات الخاصة الضيقة، هو المجتمع المخملي صاحب المصالح، أو المجتمع السياسي، وتاليا فهم يتنقلون من حالة الثرثرة على زملاء لهم،مرورا بحالة الإستسلام للمديح الهادف الى الإفساد، وصولا الى تبادل الخدمات مع الطبقة السياسية المؤثرة في لعبة المناصب.
وبديهي أن يسأل الكثيرون: ولكن ما الحل ؟
وبديهي أن يترقب الجميع شعارات كثيرة وروايات مأخوذة من التاريخ، وكلها قد صمّت آذاننا، بدءا بتلك المنقولة عن الخلفاء الراشدين وصولا الى تلك المنسوبة الى تشرشل.
وهذا يعني أن الجواب سيكون إعلانا ليأس من توافر الحلول، لأن مرض السرطان لا يُعالجه طبيب صحة عامة، وقضاؤنا مصاب بسرطان وسياسيونا المعنيون بشؤونه، وهم موزعون على امتداد رقعة الطبقة السياسية، مجرد أطباء صحة عامة حتى لا نقول… مجرد ممرضين.
أما كيف تكون المعالجة غير الكلاسيكية؟
هي معالجة تحتاج الى جرأة الإستئصال التي لا تتوافر في لبنان، إلا متى توافرت المصلحة، وهذا ما تجلّى في طريقة التعاطي مع المجلس الدستوري.
أنموذج المجلس الدستوري معبّر.حين اتخذ هذا المجلس قراره الشهير في ملف نيابة غبريال المر، المبني على تفسير معيب »الزم« به سليم جريصاتي »زملاءه »الصامتين« عن خطيئة توفيق جريصاتي بين منصبه في المجلس الدستوري وبين وظيفته مستشارا لدى الرئيس السابق أميل لحود،صدرت مواقف يمكن اعتبارها من قبيل »رفع العتب«،وكانت أقساها آنذاك للعماد ميشال عون.
ولكن بقيت الحال على ما هي عليه الى أن برزت المصلحة. فبعد الإنتخابات النيابية للعام 2005، شكل سليم جريصاتي جسرا بين بعبدا اللحودية والرابية العونية، وتعهد بأنه كما فعل ضد غبريال المر سوف يفعل ضد نواب الأكثرية الذين يطعن عون بانتخابهم، وفجأة تحوّل العماد عون من أعتى معارض لهيئة المجلس الدستورية الفاسدة والمفسدة الى أكبر مدافع عنها وعن نزاهتها وعن قدراتها الإستثنائية. وأدركت الأكثرية الجديدة ما يحصل، فانتقلت فورا من موقع تسجيل المواقف الى موقع القادر على الفعل، فكان تجميد المجلس الدستوري وإصدار قانون جديد يُثبّت استئصال الحالة الجريصاتية من بنية المؤسسات اللبنانية.
القضاء اللبناني ليس أفضل حالا. الفيروس الجريصاتي يضرب في كل مكان، فمن تراه يجرؤ على قيادة الإصلاح بالإستئصال ؟
إنتظار جواب إيجابي، ليس في مكانه. حضروا أنفسكم لشعارات وفق المنهجية البقرادونية.