تواصل لبناني ــــ مصري مستمر
تعزيز العلاقات لنزع فتيل الأزمات المستجدة
تدأب مصر على تفعيل دورها الداعم للبنان ومساندة قيام الدولة، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. ولذلك تسعى منذ العام 2005 الى ايجاد الحلول المناسبة للمشكلات السياسية والامنية والاقتصادية التي تعانيها البلاد، ايذاناً بعودة التوهج الى مهامها على صعيد التوازنات الاقليمية. وإذا كان من المسلم به أن علاقات تاريخية ربطت بين لبنان ومصر على الصعد كافة ومنها السياسية، إلا أن ميزة هذه العلاقات هي بقاؤها دائماً بين »دولتين« بالرغم من ثقل الحسابات واختلاف الخيارات على مر العهود والمحطات السياسية التي عاشتها المنطقة. ولعل أبرز دلالة على التوازن الذي ظل قائماً بين البلدين، بالرغم من الغليان الاقليمي، هو تجربة الرئيسين الراحلين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر في العام 1959، إذ لم يحتاجا إلا الى عقد قمة واحدة للتأسيس »لتسوية تاريخية« حافظت على خصائص لبنان وحياده الايجابي بالرغم من كل ما كانت تمر به المنطقة في تلك الآونة.
في المرحلة الحالية تبدو العلاقات اللبنانية ـ المصرية حبلى بالعديد من الملفات التي تتخطى إطار عمل اللجنة العليا المشتركة اللبنانية ـ المصرية على الرغم من أهميتها، والبعد الاستراتيجي الذي تحمله في ما خص المصالح بين البلدين. فالتقارير المتناقلة بين أروقة الحكم اللبناني تشير الى أن الموفدين المصريين الى لبنان والمنطقة ينقلون قرار القيادة المصرية بالدخول المباشر لدرء مخاطر قد تنطلق من لبنان وتطاول أكثر من منطقة عربية، من دون التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية بل بهدف منع أي استعمال للورقة اللبنانية من أجل الخريطة الاقليمية انطلاقاً من ضرب التوازنات اللبنانية.
لذلك يحرص المسؤولون المصريون في تصريحاتهم على التذكير بأن بلادهم تملك أفضل العلاقات مع الأطراف اللبنانية، وبأنهم حريصون على جو المصالحات الداخلية، وعلى ضرورة التلاقي بين جميع الفرقاء. وبالتالي فتوافد المسؤولين اللبنانيين اليها في هذه المرحلة يدل على حرصهم على اطلاع مصر المباشر على التطورات التي يشهدها لبنان والحصول على دعمها السياسي والأدبي لكل الأفكار التي يمكن أن تعزز من دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية.
هذا المضمون السياسي كان زبدة حديث كل من رئيس الهيئة التنفيذية في »القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس »اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط خلال زيارتيهما الى مصر. إذ ذكّر جنبلاط »بالدور المصري الذي كان دائماً موجوداً وفاعلاً لقضايا الشعب اللبناني«، لافتاً الى أن مصر لا تريد مشكلات طائفية أو مذهبية تؤثر في استقلال لبنان».
وعلى الصعيد نفسه، يتحدث عضو كتلة »القوات« النائب انطوان زهرا عن«دور مصر في التوصل الى اتفاق الدوحة وإرساء المصالحات اللبنانية، والمساعي المبذولة لانسحاب القوات الإسرائيلية من مزارع شبعا»، مشيراً الى »أن العلاقات اللبنانية ـ المصرية كانت دائماً علاقات تعاون وأخوة، ولطالما أيدت مصر استقلال لبنان وعدم تدخل الآخرين بالشأن اللبناني الداخلي. إذ يردد الرئيس المصري حسني مبارك العبارة الشهيرة »ارفعوا أيديكم عن لبنان« في أعلى المحافل الدولية. ولذلك شجعت مصر التوافق والمصالحات الداخلية وتحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية«.
ويوضح زهرا أن زيارة جعجع الى مصر والتواصل مع الموفدين المصريين الى لبنان »أظهرت تأكيداً راسخاً أن مصر تسعى الى الضغط على إسرائيل لوضع مزارع شبعا تحت وصاية الأمم المتحدة، والعمل على استصدار وثيقة لبنانية ـ سورية تؤكد لبنانية مزارع شبعا، وبالتالي تحقيق الطموح اللبناني بتحرير المزارع بالطرق السلمية وعبر القرار 425 من جهة، أو وضعها بشكل موقت تحت الوصاية الدولية لتأكيد هويتها اللبنانية من جهة ثانية ونزع الذريعة لاستعمالها للتدخل في الشأن الداخلي«.
الملف الاقتصادي والاستثماري
في الملف الاقتصادي، يبدو أن هناك قراراً مصرياً بتفعيل التعاون بين البلدين بما يسد بعضاً من حاجات الدولة اللبنانية في ضوء القدرات المصرية في مجال انتاج الطاقة الكهربائية والغاز، ويفتح أمامها آفاقاً اقتصادية من خلال الأسواق المصرية القادرة على استيعاب بعض المنتجات اللبنانية الزراعية والصناعية.
وعلى وقع هذا الملف، بدأت محادثات اللجنة العليا اللبنانية ـ المصرية المشتركة في القاهرة برئاسة رئيسي الوزراء فؤاد السنيورة وأحمد نظيف، والتي تُعقد للمرة الأولى منذ سبع سنوات، وكان للدور الذي لعبه الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الشهيد رفيق الحريري في دفع العلاقات اللبنانية ـ المصرية الى الأمام الأثر المهم، خصوصاً أن حجم التبادل التجاري بين البلدين قد يصل مع نهاية هذا العام الى ما يقارب 700 مليون دولار، علماً أن إسهامات الرئيس الشهيد من أجل دعم مسيرة العلاقات اللبنانية ـ المصرية دفعت التعاون بين البلدين الى آفاق رحبة منذ ترؤسه عدداً من دورات اللجنة العليا في بيروت والقاهرة، وكان آخرها الدورة الخامسة التي استضافتها القاهرة في نهاية شهر تموز من العام 2001. وفي العام 2004 كانت الاقتراحات بتنمية حجم المبادلات التجارية بين مصر ولبنان ليتراوح ما بين 500 و600 مليون دولار يمكن زيادتها سنوياً لتصل الى مليار دولار. مع الإشارة الى أن الرئيس الشهيد كان قد أعلن خلال زيارته للقاهرة في العام 2004 أن لبنان سيعيد النظر في وارداته من الدول الأوروبية خصوصاً مع توافر معظم احتياجات لبنان من مصر.
وتجدر الإشارة أيضاً الى الإنجازات الكبيرة التي تحققت على طريق تنمية العلاقات الثنائية بين مصر ولبنان ومنها ما تحقق في شبكة الربط الكهربائي لدول المشرق العربي التي يتم من خلالها تبادل تصدير الفائض من الطاقة الكهربائية بين الدول الأعضاء في أوقات الحاجة اليها. كما تحققت إنجازات ملموسة في تنفيذ مشروع توصيل الغاز الطبيعي المصري الى دول المشرق العربي ومنها لبنان في ما يعرف بخط الغاز العربي، ومن المنتظر أن يبدأ توصيل الغاز المصري الى لبنان في العام 2009.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وصل حجم التبادل التجاري في العام 2007 الى 638 مليون دولار، وبلغ حجم الاستثمارات اللبنانية في مصر ما يقارب الـ 260 مليون دولار. وفي ما يتعلق بالاستثمارات المصرية في لبنان، فقد عاودت مجموعة »هرمس» المصرية ومجموعة »عودة سارادار» اللبنانية مفاوضاتهما للاندماج في مجموعة واحدة كبيرة.
وشهدت الفترة الماضية أيضاً إنجازات طبية في مجال الصحة والدواء تمثلت في تسجيل عدد من المستحضرات الدوائية في لبنان، خصوصاً أن الأدوية المصرية تتمتع بميزة تنافسية من حيث الجودة والسعر سيمكنها من كسب ثقة المواطن اللبناني. ومن الملاحظ الزيادة في الحركة السياحية إضافة الى تبادل المشاركة في التظاهرات والمناسبات الثقافية التي أقيمت في البلدين.