كتبت ناتالي إقليموس في صحيفة "الجمهورية":
«هيدا البلد، ناس بسمنة وناس بزيت»، بمرارة يقولها محاولاً التغلّب على اليأس الذي بدأ يعتصر قلبه، بعدما نفِد صبره من طول الانتظار، إلى حدّ ملّت عقارب الساعة من نظراته. منذ 8 سنوات يتعقّب الدكتور جورج ن. مقرّرات جلسة مجلس الوزراء، للبتّ في ملفّ تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، على أمل أن يكون من بين المحظوظين. لكن «دِق المَي مَي، فالقضية استنسابية» على حدّ تعبيره.
صرخة د. جورج تعكس أصوات أكثر من 600 أستاذ جامعي يتأمّلون إقرار ملفّ التفرّغ، بعدما شهدت الجامعة اللبنانية آخر تفرّغ لنحو 680 أستاذاً في منتصف العام 2008. د. جورج الذي يواظب على المشاركة في مختلف تحرّكات المتعاقدين، يخبر عن معاناته: "كنت من الذين تمّ استثناؤهم في الدفعة الأخيرة من التفرّغ، ولا أزال أنتظر الفرج، ولا سيّما أنّ لـ"اللبنانية" مكانة كبيرة في قلبي، وحتى الآن شاركت في 76 تحرّكاً للمتعاقدين". ويضيف: "على رغم أنّني من بلدة الهلالية، لم أتردّد في ترك بيئتي والمثابرة على تعليم مادة التاريخ في الفرع الثالث في طرابلس. رفضت عدداً من العروض بهدف خدمة الجامعة التي كبّرتني، والمؤسف أنّها بدأت تستنفدني".
معاناة بالجملة
ومن قلب محروق يقول: "نراقب الامتحانات، وبعد 8 أشهر نتقاضى أجرنا، نُصحّح وبعد 8 أشهر نتقاضى أجرنا، نُعلّم وبعد 24 شهراً نتقاضى أجرنا. كيف يمكننا الانتظار بعد؟ مع الإشارة إلى أنّ عدداً من الجامعات الخاصة فسخت عقودها معنا، بعد الكشف عن أسماء المتعاقدين".
من عام إلى آخر، ينتظر د.جورج إقرار تفرّغهم على أساس أنّه "عيدية" قديمة جديدة "في كلّ مرّة يعدنا بها أحد السياسيّين". لا يخفي هذا الأستاذ الخمسيني خشيته من أن "تعود القضية إلى نقطة الصفر، خصوصاً إذا تمّ تأخير إقرار المتفرّغين لإعادة إحياء مجلس الجامعة، فيقول: "من الواضح أنّ العملية باتت تصفية حسابات سياسية، ومماطلة لا نفع منها، وما أخشاه أن يعيد مجلس الجامعة في مرحلة لاحقة دراسة الأسماء المطروحة، في وقت يكبر عدد الأساتذة ككرة ثلج، وتتفاقم المعاناة".
"ملفّ التفرّغ أُشبِع دراسة، وكلّ ما في الأمر أنه تحوّل إلى تصفية حسابات سياسية، يدفع المتعاقدون ثمنها". بنبرة غاضبة، تنضح ثقةً، تؤكّد رئيسة لجنة الأساتذة المتعاقدين الدكتورة ميرفت بلوط عبر "الجمهورية"، التزام الأساتذة المستثنين من التفرّغ، الإضراب. وتقول: "يشهد منتصف شباط المقبل امتحان الفصل الاوّل، وإذا استمرّت الحال على هذا المنوال فلا يمكن الحديث عن أيّ امتحانات، والسياسيّون يتحمّلون مسؤولية احتمال ضياع العام الجامعي". وتضيف: "من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، يلتزم الأساتذة المتعاقدون الإضراب المفتوح، ولن نتردّد في اللجوء إلى خطوات تصعيدية بالتزامن مع جلسات مجلس الوزراء. لن نرضى بأن يكون مصير 670 عائلة معلّق بحبال الهواء، في انتظار أهواء السياسيّين".
أبعد من المطالب…
لا تخفي بلوط خوفها على مستقبل "اللبنانية"، فتقول: "باتت نسبة المتعاقدين 70 في المئة، فيما القانون لا يسمح إلّا بنسبة 20 في المئة مقابل 80 في المئة متفرّغين. يقلقنا مستقبل هذا الصرح التربوي، فلكي نبني الوطن لا بدّ من بناء الجامعة، ولبناء الجامعة لا بدّ من تفرّغ أساتذة لها، يعملون بكرامتهم، بعيداً من هاجس الطبابة والاستشفاء وقضايا معيشية أخرى".
تذهب بلوط أبعد ممّا هو ظاهر للعيان قائلة: "المشكلة أبعد من قضية أستاذ لا يتقاضى راتبه، إنّما الجامعة برُمّتها في خطر، فالأساتذة عاجزون عن تحديث المواد، ولا حتى التفرّغ لأبحاثهم، ما لم يطمئنّوا لتأمين لقمة عيشهم".
وردّاً على كلّ من يحاول الربط بين ملفّ التفرّغ وتشكيل مجلس للجامعة، تقول: "ما نعانيه ليس سوى نتيجة المناكفات السياسية، ما من سبب أكاديمي للربط بين الملفّين. فقد سبق أن تمّ تفريغ نحو 600 أستاذ بقرار يحمل الرقم 223، في ظلّ عمداء بالتكليف، والظروف لم تتبدّل. لذلك لا نعلم لماذا المماطلة". وتتابع محذّرةً من أيّ طبخة أو ورقة انتخابية تأتي على حساب الأساتذة المتعاقدين: "نحن أكاديميّون ونرفض أن نكون ورقة انتخابية يتقاذفها السياسيّون. نمثّل جميع شرائح المجتمع، وعلى اختلاف انتماءاتنا ومذاهبنا وطوائفنا، نرفض المساومة في ملفّنا من أجل حسابات فئوية".
الاعتصام
وكان الأساتذة المتعاقدون في الجامعة اللبنانية قد نفّذوا اعتصاماً في باحة كلّية العلوم الفرع الثاني – الفنار، ناشدوا خلاله رئيس الجمهورية والحكومة مجتمعةً، "أن يقفوا أمام مسؤوليّاتهم ويقرّوا ملفّ التفرّغ حتى ولو بجلسة وزارية استثنائية"، مشيرين إلى أنّ "مدخولنا السنويّ لا يتعدّى الـ 600,000 ل.ل. شهريّاً، نشتري بها الوقود لوصولنا إلى الجامعة. إنّ وضعنا استثنائيّ ولا يحتمل الانتظار. ولم يحصل بتاريخ الجامعة أن بقي أساتذة من دون أيّ دخل ماديّ".
في وقتٍ يلملم "اللبنانيّون ذيول "أولغا" التي ضربت لبنان… فإنّ عاصفة من نوع آخر تحدق بطلّاب "اللبنانية"، فيتهامسون في ما بينهم ماذا لو كان الهدف إفراغ جامعتنا الرسمية، لتعويم جامعات خاصة، لا سيّما التي تستعطي هوية قانونية لها؟