أمس ، هزت حلب وجامعتها تحديداً مجزرة مروعة،
إدعى النظام أنها ناجمة عن قذيفتين صاروخيتين أطلقهما الإرهابيون،
لكن مشهد المجزرة بالعدد الهائل من الضحايا والجرحى
وبالدمار الواسع الذي لحق بموقعها،
يوحي بأنها من صنع النظام الذي يملك إلى الطيران،
أسلحة تقليدية للدمار الشامل
من صواريخ وبراميل متفجرة وذخائر محظرة دولياً.
جامعة حلب تدمى. حلب التي يراهن النظام على تحويلها إلى خراب،
ليتَّهم المعارضة بانها السبب.
وفي جدلية السبب والنتيجة في ما يحصل في سوريا،
الأمر واضح.
لقد فوّت بشار الأسد، باعتراف بعض أنصاره وحلفائه واتباعه
في سوريا وفي لبنان،
فرصاً عدة لاحتواء الموقف، فهو بعناده وإصراره
على التمسك بالسلطة عبر الترويع والقتل والتدمير،
يدفع الكثيرين من معارضيه دفعاً إلى التطرف والتشدد،
في لعبة جهنمية هدفها الإدعاء
بأنه يحارب الخطر الأصولي التكفيري
والمجموعات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة.
فهل ننسى أن النظام ، وعلى أكثر من أربعين عاماً،
حكّم الأقلية بالاكثرية بخلفيات مذهبية.
++++++
لقد استمرت الثورة السورية أشهراً عدة ثورة سلمية،
ونذكر جيداً الهتاف المدوي:
"سلمية سلمية إسلام ومسيحية".
وكان الرد المنهجي محاولة ترهيب المتظاهرين
بملاحقة الناشطين وخطف أفراد عائلاتهم
إلى قتل عدد من الرموز.
لقد ظن النظام أن الأسلوب القديم
لإخضاع الشعب السوري وإسكاته سينجح،
والنتيجة كانت المزيد من الحراك الشعبي،
ومعه المزيد من التنكيل والترويع،
حتى اضطر المعارضون إلى حمل السلاح،
وصولاً إلى القتال تحت لواء الدين والجهاد.
فكلما عاند بشار الأسد، كلما اشتد ساعد التطرف.
ومع ذلك، يصر بعض المضلِّلين والمضلَّلين عندنا
على تظهير النتيجة بدلاً من التركيز على السبب،
وعلى أبلسة جهاد بعض المعارضين للنظام السوري،
وعلى تقديس جهاد عناصر حزب الله
الذين يُرسلون للدفاع عن النظام.
++++++
ولإنعاش الذاكرة مرة أخرى ، فإن سوريا
قبل النظام البعثي الأسدي،
كانت نموذجاً للعيش المشترك
ولازدهار أبنائها المسيحيين ، ولاسيما في حلب.
حلب التي كانت تفخر بتكريم رجالاتها المسيحيين،
كما تفخر بطابعها التعددي المنفتح.
وللدلالة: في العام 1934،
إنتدبت الجمهورية اللبنانية شاعر شبلي الملاط،
في عهد رئيسها حبيب باشا السعد لتمثيل لبنان
في مهرجان إزاحة الستار في حلب
عن تمثال المثلث الرحمات المطران جرمانوس فرحات،
وحضر المهرجان جمع من رجال الدين والدنيا،
وتصدره رئيس جمهورية سوريا محمد علي العابد،
وفي هذا المهرجان ألقى الملاط قصيدة "الشهباء" ومطلعها:
الدين مصباح الهدى ومناره والعلمُ ريحان الوجود وغارُه
فيا سادة يا كرام
إنها نبذة من احتفال وقصيدة دوّت بها حلب الشهباء
لمناسبة تكريم حَبر ماروني
قبل حكم البعث وحكم الأسد، فهل تتفكَّرون؟
+++++++
ما يهمنا اليوم، أن يدرك الجميع وأقول الجميع،
بأن التمادي في تهميش الحضور المسيحي
والصوت المسيحي في لبنان،
سينقلب خسارة لهذا وذاك وذلك،
ولن يستقيم البلد إلا بقانون انتخاب
يحقق المناصفة الفعلية أو الحد المقبول منها.
لا تريدون مشروع اللقاء الأورثوذكسي؟
أو تريدونه جهراً وترفضونه سراً؟
فهيا أقدموا "وفرجونا بضاعتكم".
في رأيي اليوم ثلاثة مستحيلات،
أو على الأقل ثلاثة لا تجوز:
قانون الـ60
مشروع النسبية مع الدوائر المتوسطة كما أقرته الحكومة
وعدم غجراء الإنتخابات في موعدها.
إذاً ، تكرّموا وناقشوا مشروع الدوائر الصغرى كبديل.
+++++
في عين التينة أستاذ يسعى إلى تربيع الدوائر
بدلاً من تدوير الزوايا.
عزيزنا دولة الرئيس،
لن نقول إيدنا بزنارك،
لأن زنارك معقود على خصرين:
خصرك وخصرهم!
ولكن ثق بأن الآتي من الأيام
سيثبت أن إحقاق الحق للمسيحيين
ثمنه أقل بكثير من "مودرة" هذا الحق
بحجة السلم الأهلي وتجنب الفتنة وباقي المعزوفة.
ما زال عندنا بلد اسمه لبنان،
ودولة اسمها الجمهورية اللبنانية
والخيار واحد من اثنين لا ثالث لهما:
الأورثوذكسي وإلا الدوائر المصغرة.
والسلام على من اتبع الهدى!
* أنطوان مراد – رئيس تحرير إذاعة "لبنان الحرّ"