أنهى النظام الأسدي فعلياً مهمة المبعوث الأممي ـ العربي، باعتباره الأخضر الإبراهيمي وسيطاً مزيفا يقوم بمهمة فاشلة" و"وسيطا بات في كل الاحوال خارج الحل السوري"، كما طرحه بشار الاسد في خطابه الاخير، رغم استمرار الاجماع الدولي والعربي اللفظي على دعم مهمة الابراهيمي في التوصل الى حلّ للازمة السورية المستمرة منذ اكثر من 22 شهراً حصدت خلالها عشرات آلاف الضحايا.
وقد ظهر الاسد في الخطاب الذي ألقاه في السادس من الجاري من على مسرح دار الاوبرا في دمشق خارج أي علاقة فعلية بواقع بلاده، في مرحلة شديدة التعقيد تتمحور خصوصا حول نفوذ حليفه الايراني مع كل ما يتعرض له مؤيدو طهران في المنطقة: من نوري المالكي الذي يواجه انتفاضة داخلية الى "حزب الله" الذي يتعرض سلاحه لمواجهة سياسية الى النظام السوري الذي يواجه انتفاضة شعبية.
فأولويات الحلّ الذي طرحه، وأبرزها اقفاله الباب على أي مبادرة سياسية تتضمن تنحيه، سدّ الاسد الأفق أمام جهود الابراهيمي خصوصا ان المبادرة التي يسعى المبعوث الدولي الى إنضاجها ترتكزعلى مساع للتوصل الى تفاهم اميركي- روسي على الحل بمعزل عن العامل الايراني.
اضافة الى انه بنبرته وهدوئه المصطنع اراد رفع معنويات ما تبقى من فريقه عبر الكلام الذي اطلقه قبيل دخول الثورة عامها الثالث ليؤكد صموده رغم فشله في القضاء عليها ونجاحها في السيطرة على مناطق شاسعة رغم الفارق الكبير في الامكانات، وان عبر عمليات كرّ وفرّ بين الطرفين.
فما إن تمسك الابراهيمي بعد لقائه الاخير مع الاسد بطرح قيام حكومة انتقالية تمسك بكامل الصلاحيات، حتى تناوبت صحف النظام على مهاجمته واتهامه بالتبعية للغرب وبالتواطؤ على النظام وسط توقعات متقاطعة بأن مهمته انتهت. فهو لم يعد وسيطا بين الاميركيين والروس في صراعهما على شكل الحل النهائي، اذ تخشى الولايات المتحدة تكرار تجربة دعم المجاهدين في افغانستان، وروسيا تريد الوصول الى صفقة متكاملة تعوضهم خسارة الأسد.
ومن المتوقع ان يتضح هذا المآل عند تقديم الابراهيمي احاطته امام مجلس الامن في 29 الجاري ليلحق بسابقه كوفي انان. ويترافق ذلك مع مطالبة الامين العام للجامعة العربية نبيل العربي بقوة حفظ سلام تحت البند السابع واعلانه ان المحادثات الاميركية الروسية مع الابراهيمي هدفها "اعداد قرار يصدر عن مجلس الامن" والتي حدت بصحف النظام الى اعتباره "اجيرا" عند الدوحة والرياض.
وفي حال انتهاء مهمة الابراهيمي يزداد مآل الامور في سوريا غموضا مع استحالتين: التسوية السلمية التي ستكون قد سقطت، والحسم العسكري الممنوع اذا ما بقي المجتمع الدولي على تخاذله في مساندة الثوار فعليا عبر مدّهم باسلحة نوعية وتامين منطقة حظر جوي لذرائع مختلفة من التلطي امام الرفض الروسي الى الخوف من وصول الاسلحة الى "الارهابيين" الذين يبالغ الاسد بتظهيرهم في اطار مساعيه لاسترضاء الغرب في مرحلة لاحقة.
لكن التدخل العسكري الفرنسي في مالي الافريقية يفتح الباب امام احتمالات مستجدة. فإرهاب نظام الاسد، الذي يقصف بوحشية غير مسبوقة ويرتكب مجازر فظيعة، يتساوى مع ارهاب الاصوليين الذين لم تتردد فرنسا في مواجهتهم تلبية لطلب السلطات المحلية وبضوء اخضر ضمني من مجلس الامن وبرضى دول الجوار من الجزائر الى المغرب وحتى برضى المعارضة الفرنسية. فتأخر المجتمع الدولي في دعم حقيقي للثوار ادى الى تصدر الجهاديين الواجهة في مقابل المعارضة المتنوعة التي يحتاج ذراعها العسكري "الجيش السوري الحر" الى مساندة فعلية حتى يتمكن "الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" من تشكيل حكومة انتقالية تضم الاقليات جميعها بما يطمئن السوريين الخائفين من مرحلة ما بعد الاسد كما يطمئن الخارج المرتعب من البعبع الاصولي السني.
وتبقى الخشية من ان يبعد ما تشهده مالي أي احتمال بتدخل عسكري خارجي في سوريا بما يؤكد ازدواجية المعايير الدولية.
فالتدخل الغربي السريع في مالي، حيث لفرنسا جالية كبيرة ومصالح اقتصادية واسعة، وغض الطرف عما يجري منذ اكثر من عامين في سوريا وادى الى وقوع اكثر من 60 الف ضحية والى ملايين المهجرين والنازحين والى مئات آلاف المعتقلين يندرج بوضوح في اطار المعايير المزدوجة.
وللامم المتحدة والغرب بمجمله سوابق في هذا المجال لن نستذكر منها سوى الاحتلال الاميركي للعراق الذي موهته الولايات المتحدة بتحالف شبه وهمي متذرعة بتوفر اسلحة دمار شامل بين ايدي الرئيس الراحل صدام حسين، وهو ما تبين لاحقا كذبه. وستدفع ازدواجية المعايير خصوصا بما يتعلق باسرائيل كل الشعوب العربية والاسلامية الى استحضار عشرات القرارات الاممية التي صدرت بحق الدولة العبرية ان بسبب احتلالاتها او بسبب مجازرها سواء ضد الفلسطينيين او اللبنانيين، فيما الولايات المتحدة والغرب كما الامم المتحدة تتجاهل الامر ولا تدينه فعليا.