ثقافة؟
يضربون بالنار فيأتي الرد بالتظاهر ونفي الثقافة… معادلة ملفتة يا إخوان، شهدنا ترجمة عملية لها في أكثر من دولة من بينها أخيراً سوريا… بعد العدوان الثلاثي على مصر أُحرقت كتب فرنسية وإنكليزية استنكاراً للعدوان وممارساته. وبعد الوحدة في العام 1958 جرى تأميم المدارس والمؤسسات الثقافية الأجنبية في دمشق ووئدت صحافتها التي كانت طليعة الصحافة العربية وتخرّج من بين صفوفها نخبة من ألمع الإعلاميين والصحافيين العرب… ومع استمرار تبدل الظروف السياسية والتغييرات على مستوى الحكم، توسعت مروحة التأميم وكانت النتيجة، في ألطف الأوصاف، مؤسفة بالنسبة الى أجيال من الطلاب السوريين.
… بعد الاعتداء على منطقة البوكمال، رد الحكم السوري بإقفال المدرسة والمركز الثقافي الأميركيين في دمشق… كنا قبل ذلك، وفي فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي شهدنا حملة منظمة للغباء قادها قوميون عرب، دعت الى “تعريب” المناهج التعليمية رداً على دعم الغرب لعدوتنا إسرائيل. وصلت طراطيش من تلك الدعوة الى لبنان، لكنها بقيت خَفِرة وخجولة واصطدمت فوق ذلك، بإرث من الانفتاح عمره يفوق أعمار كل الأوطان الحديثة في المنطقة برمتها. ولولا ذلك كان أصابنا ما أصاب جيراننا من ضمور في بعض النواحي الفائقة الأهمية للعلم الحديث.
حصلت مثل هذه المآثر الغريبة عند أمم أخرى، لكنها كانت ولا تزال، تملك بدائل ذاتية عن الذي ترفض استيراده وتعلّم لغته في التصنيع والتكنولوجيا وعلوم الفضاء والطب.. وكل ما له صلة بعالم اليوم.. وكان ذلك قبل الولوج في الحالة الفظيعة المسماة كومبيوتر وابنه انترنت. طبعاً نحن لا نزال في مرحلة تعريب المصطلح وجعله “حاسوباً”؟! ونحتاج الى كذا مئة سنة ضوئية لنعرف بعض هوامش أو مفاتيح تلك الإنجازات العقلية والفكرية الهائلة.
لا ينتقص هذا الكلام، ولا يمكنه أن يدّعي ذلك، من كل العقول العربية الفالحة في مجالات العلم الحديث، كما لا يلغي تاريخ الريادة العربية في العلوم عندما كانت أوروبا والغرب عموماً في سبات مديد… لكننا نحكي اليوم عن واقع عام يلغي خصوصيات فردية متفرقة من هنا أو من هناك، في هذا المجال أو ذاك… حالة عامة صرنا فيها نحن في الإجمال خارج العصر ولغته وعلومه وتقنياته. ولا عيب في الوضوح يا إخوان، ولا في القول إن كل شيء حديث علمي ومتطور هو صناعة أجنبية وبلغة أجنبية، من التلفون الى حبّة الإسبرين وصولاً الى الذرّة ومشتقاتها، وما بين كل ذلك من بحور ومحيطات علمية تغطي كل نواحي الحياة وصلة الإنسان بها.
معضلة كبيرة ووجودية، لكنها لا تواجه (لمن أراد مواجهتها) بإقفال مدرسة ومركز ثقافي أجنبيين بل بعكس ذلك يا إخوان.. أم أن الأمر ليس كذلك؟ في كل الحالات عشتم وعاشت عروبتكم!!