#adsense

قبل تحوّل الداء إلى وباء

حجم الخط

قبل تحوّل الداء إلى وباء

يبدو واضحًا ان الشعور الطائفي في البلد يطغى على كل ما عداه، وليس سرًا أن الانتماء المذهبي الملتصق بنفوس اللبنانيين تعدّى بأشواط كثيرة كل ما تبقى من شعور بالانتماء الوطني لدى غالبية اللبنانيين، وليس بمكتشفٍ لأي جديد من يقول إننا ربما خسرنا كل أمل في أن يتحقق حلم قيام الدولة الحقيقية في هذا الـ »لبنان« المرمي على شاطئ المتوسط وبين فكي كماشة من أنظمة لا ترحم.

ليس التشاؤم سمتي في الحياة، ولست من الباكين على الأطلال والمنتحبين على فراق الحلم الذي آمنت به في عزّ اليقظة، لكن الاستمرار في محاولة التعمية على الحقيقة الجارحة التي وصل إليها كل من يتابع دقائق الوضع اللبناني ليست هي الدواء، بل الداء الذي لا بد من تشخيصه و«وصف« علاجه على وجه من السرعة، إن لم يكن قد فات الأوان بتحول الداء إلى وباء.

لم يعد جائزًا السكوت عن كل ما جرى ويجري من تـنازلات عن أبسط مقومات نهضة الدولة المدنية التي طال انتظار رسو سفينتها، وما زلنا نهدر الفرصة تلو الأخرى في السماح لها بإفراغ حمولتها في ميناء الوطن. فالمصالحات الثنائية او الثلاثية الحاصل منها والمرتقب، وإن كانت أمرًا إيجابيًا خفف الاحتقان في نفوس كثير من المواطنين الذين ذهبوا بعيدًا في اللحاق بمواقف زعماء طوائفهم، إلا انه لا بد من القول إن هذه المصالحات ووفق الشكل والمضمون اللذين تمت فيهما حتى اللحظة لا تعدو كونها تفاهمات طائفية بحتة لا تهدف إلا إلى تمرير فترة زمنية محددة بأقل كلفة وضرر، فبدت أنها مدخل جديد لتكريس صورة الفدرالية الطوائفية في لبنان التي أصبحت واقعًا حتميًا بعد 7 ايار 2008.

كان جيدًا أن يلتقي النائب سعد الحريري بالسيد حسن نصرالله بعد الجراح التي سببتها أحداث 7 ايار، وسيكون جيدًا ايضًا أن يلتقي النائب وليد جنبلاط بنصرالله بعد اتمام المقدمات اللازمة للقاء كهذا، والتي قد تكون أولها زيارة لوفد من »حزب الله إلى قصر المختارة. لكن الأهم من كل ذلك ان تشكل هذه اللقاءات قاعدة للانطلاق نحو تفاهم وطني جامع يمهد لبناء »الدولة القوية القادرة والعادلة« التي ما فتئ السيد نصرالله يشترط قيامها كي يبحث في موضوع سلاح حزبه، ولقيام دولة القانون والسيادة والحرية والاستقلال التي ما انفكت قوى »14 آذار« تردد شعارها.

لقاءات المصالحة يجب أن لا تتسم بطابع طائفي كي لا تـزيد طين الطائفية في هذا البلد بلة، فلماذا حصر المصالحات بالشوارع المذهبية فقط؟ ولماذا لا يسعى أحدهم لمصالحات وطنية عابرة للطوائف؟ فهل ممنوع أن يتصالح »حزب الله« و«القوات اللبنانية«، مثلاً؟

غني عن القول إن الحال في لبنان تفوق طاقة اللبنانيين وقياداتهم »الميمونة« على الحل، وسط غابة من التقاطعات الإقليمية والدولية التي تمر في ساحات لبنان وفي سماء هضابه وروابيه. لكن التذكير المتواصل بضرورة الخروج من دوامة الصراعات الخارجية وأتون الخلافات المذهبية واجب على كل لبناني مؤمن بنهائية وطنه لبنان ان يكرره ليل نهار، وفريضة عليه العمل بموجبها صبح مساء.

القلق الحقيقي اليوم ينبع من الحذر الذي ساور كثيرين في ان تكون طفرة المصالحات الحالية ليست إلا »عبّارات« محلية لتمرير تفاهمات انتخابية في هذه المنطقة او تلك، ووفق مصلحة هذه الجماعة أو تلك. هذا القلق المنطقي انبثقت صدقيته من تجارب لبنانية سابقة قبل كل انتخابات نيابية، حيث كانت حسابات البيدر الانتخابي تسبق حسابات كل البيادر وفي مقدمها بيدر المصلحة الوطنية العليا.

وإذ لا يبدو واضحًا في أفق التقارب السياسي الحاصل حتى الآن ما يشير إلى أحلاف رباعية أو خماسية جديدة، إلا أن خطوط التماس الانتخابية التي رسمها قانون انتخابات العام 2009 والعائد في تقسيماته الانتخابية إلى العام 1960 أصبحت محددة المعالم لدرجة اضطر فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يطلب علنًا التنبه إلى عدم تحول المصالحات وسيلة انتخابية بحتة بعيدة عن هدفها الأساس في ردم هوة الخلافات القائمة بين اللبنانيين.

وكي لا تحيد المصالحات عن صراطها المستقيم، لا بأس إن اقتصرت مرحليًا على نواحي الاتصال والتواصل، بانتظار أن ترتقي إلى مستوى الحوار السياسي الناجح والناجع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل