#adsense

حقــوق الـروم قيـام الدولـة

حجم الخط

حقــوق الـروم قيـام الدولـة

"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس…"
(سورة البقرة)

بدأت المرحلة الاستقلالية باقصاء الروم الارثوذكس عن رئاسة الجمهورية بعد اثنين من نخبة الرجال والعائلات: شارل دباس وبترو طراد. وتم توزيع المواقع العليا طبقاً لمفاهيم الميثاق الوطني ومكوناته العددية، وليس وفقاً للكفاية البشرية. وكان على الروم منذ ذلك الوقت ان يجدوا حقوقهم في الرجال الذين يختارونهم الى الناس، اي ان يكون الرجل اعلى من المنصب وارفع، وان يمثل المستويات الاخلاقية والثقافية التي تتمتع بها الطائفة. وبهذه الطريقة يكون حضوره في البرلمان، أو في الحكومة، الحضور الأقوى وليس الحضور المتوسل، او المتعدي. وهكذا تميزت الحكومات بكبر التأثير وصغر الصلاحيات. وكان حبيب أبو شهلا في البرلمان هو البرلمان. وهو ألق المجتمع السياسي. وهو حارس القانون في المجلس وضابط المخالفات. وكان اذا حضر في نقاش، او في ظرف او في استقبال، هو الوجه والآخرون ظلال، على رغم المستويات التي كان عليها الرجال في تلك الحقبة الجميلة والرفيعة.

وبعد حبيب ابو شهلا قدم الروم نسيم مجدلاني، رجل الميزان، والخلق. وقدموا البير مخيبر، بعلمه وذكائه وشجاعته وطباعه النبيلة.
ثم جاء شارل مالك، يحمل من المعرفة والعلوم ارثاً عظيما لم يحمله سواه. هو الذي كلفه روزفلت المشاركة في وضع شرعة حقوق الانسان. وهو الذي كلفته الانسيكلوبيديا بريتانيكا، بما خلفها من اوكسفورد وكايمبريدج، وضع 25 الف كلمة في تعريف الديبلوماسية، بدل ان تختار لذلك من بلاد هيوم وتشسترفيلد وبالمرستون او دزرائيللي.

فكيف يمكن ان تطرح مسألة "الصلاحيات" عندما يكون مالىء المكان شارل مالك، او غسان تويني، او فؤاد بطرس.
لا يزال الرئيس سليم الحص يروي الى اليوم انه، كرئيس للوزراء، لم يستطع ان يقابل الرئيس الياس سركيس مرة واحدة، من غير ان يكون الى جانبه فؤاد بطرس. لم تكن لفؤاد بطرس صلاحية تذكر، لكن حضوره وتأثيره وقراره كانت موازية لقرار الرئيس. ومع الرئيس شفيق الوزان، كان يراعي جميع الحسابات والتوازنات الواجبة في الحساسيات الطائفية ولكن كان ثمة ادراك لدى جميع الافرقاء ان وجود فؤاد بطرس ليس مسألة نصوص او شكليات من القرون الوسطى وبقية الكرنفالات، بل هي قيمة الرجل في ذاته، ومدى ما يرتقي به الوطن، وما يرتقي به اداء الحكومة وصورتها في العالم وعند الأهالي.

الم تكن حقوق الروم الكاثوليك تصلهم بمجرد وصول رجال مثل فيليب تقلا ونصري المعلوف؟
وَألم تكن حقوق الموارنة تُسلب عندما يولى عليهم وعلى سواهم من لا يمثلهم؟

كان المستشار الالماني الغربي كونراد اديناور كاثوليكيا، شديد التدين. وعندما ذهب لمقابلة البابا بيوس في روما بدأ الكلام في الحرص على الكثلكة ولم ينته الا والبابا يودعه قائلا: "عزيزي المستشار، احب ان اذكرك بشيء واحد، هو انني كاثوليكي ايضا"!
في الحرص على حقوق الروم، كان الاحرى الاصغاء الى خطبة البطريرك اغناطيوس هزيم قبل اسبوعين. ام ان الحرص على حقوق مسيحيي الشرق يقتضي إلغاء بطاركتهم؟

أليس غريبا ان تكون ذروة الدفاع عن مسيحيي الشرق هي العمل على الغاء بكركي، في جملة المسارات الإلغائية؟
الروم تصلهم حقوقهم كاملة عندما يساندهم الآخرون في مشروع قيام الدولة. اذ من دون دولة، او في دولة بهذا الاهتراء، وهذه التعديات، وهذه الاستباحة اليومية، لا تبقى حقوق لأحد.

ولو استفتي الروم في الخيار بين ان تكون لهم رئاسة الجمهورية، والتمنع عن اغلاق بيروت بحجة الاعتصام، لكان الجواب جواب ام الصبي. لكنهم سمعوا نائباً من المتن يقول في ختام الحصار: "لقد انهينا المهمة الوطنية بنجاح". لم يكن قد بقي امام سعادته سوى تحرير القدس.
في هذه المناقشات الحادة يفترض اعادة تفسير التعابير، وان نتمهل قليلاً كي ننظر في حالنا في ضوء الحقائق التي لا يمكن تغييرها. فعندما ندعو الى الغاء الاستقلاليين والوسطيين واقامة الاحزاب بديلاً من الكفاية والمواءمة والاهلية الوطنية، لا بد ان نقرر اي نوع من الاحزاب نريد. وان نرى ما هي تجربتنا في هذا الباب.

لقد تحولت الاحزاب عندنا ميليشيات قاتلة، في اليمين وفي اليسار. وحتى الجيش تم تحويله في وقت ما، احزاباً مقاتلة تدمّر البيوت وتقفل الطرق. وعندما ظهر السيد احمد الخطيب قائد "جيش لبنان العربي" من جديد قبل اشهر، عادت الى الذاكرة صور الانشقاق الرهيب في المؤسسة التي اقامها فؤاد شهاب فوق الاحزاب والعصبيات والولاء للخارج. فالتفكك الذي بدأ بقوميات احمد الخطيب انتهى بسعد حداد وانطوان لحد الذي انتهى بدوره صاحب مطعم مازات ومناقيش في تل ابيب. لا ادري كيف ينظر الضابط السابق انطوان لحد الى حاله وهو يشعر بأنه لن يستطيع العودة الى بلده، الذي يمكنه ان يراه اذا وقف على الحدود، خلف الشريط الذي يفصل بين عالمين: مناضل ومتعامل.

تقوم الاحزاب وتعمل حيث تخلت الدول، تلقائياً، عن ثقافة العنف، لفظياً كان ام دموياً قسرياً. فهذه الاحزاب تتعلم مع الممارسة ان ترتضي فكرة الديموقراطية ومبدأ التناوب والاحتكام الى قرار الناس وارادتهم ورؤيتهم الى مستقبلهم. والناس ليست قوالب حجرية مسكوبة، بل هي مشاعر وافكار ومحاسبة وتطلعات وتطور. اما البلد الذي اعتاد حل اموره منذ 1975 بالسبوت (جمع سبت) السود والمجازر والقنص والمذابح، فالحل فيه العودة الى زمن التكتلات الوسطية الراقية، الى ايام كان الخلاف بين الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، وكل ما بين صناديق الاقتراع، ومنابر البرلمان. ايام كانت الحلبة على المنبر وليست على الكوع، او في آخر الزاروب. والذين يدعون اليوم الى إلغاء الوسطيين واقامة الاحزاب، ينسون ان كل بناء في هذا البلد اقامه الوسطيون، وكل حجر دُمّر دمره المتطرفون. وينسون أن الاحزاب في الحرب تحولت ديكتاتوريات قمعية قبيحة، تنكّل كل منها بجماعتها واهلها، وتفرض عليهم الخوّات والهجرة وتتعامل معهم بأسوأ وأدنى مظاهر سوء الخلق وسوء السلوك.

الحاجة ليست الى "احزاب" تنظم حرباً او حروباً جديدة، بل الى تكتلات وطنية هادئة مرتقبة، وقبل اي شيء واعية لهشاشة المصير وعطوبة الوحدة، وعلى اي شفير يقفان.

لا تقوم الدول على مناكفة كل شيء، ورفض كل شيء. وحده الديكتاتور، يقول عبد الله القصيمي، لا يطيق التاريخ. ووحده يرفض كل ما سبقه، وكل ما حوله.

لم يقم نظام فاشي إلغائي الا وسقطت معه الدولة. ولم تقم دولة خارج الوسطية العقلانية الرحبة الا وزالت في العار. ذلك كان الفارق العظيم بين نهرو وماو تسي تونغ، بين ديغول وموسوليني، بين تشرشل وستالين. لم يترك ستالين السلطة الا على جثث 20 مليون انسان. وترك بطل الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل مقعده في انتخابات عادية هو وحزبه. بدأ حياته في حزب "الاحرار" وانهاها في حزب المحافظين، لأن بريطانيا كانت قد بلغت مرحلة الاحزاب المتناوبة، وخرجت من عالم ادوارد الثامن الذي كان ضخماً كالأنا، وفظاً كالخراب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل