أهداف دمشق في اتهاماتها لـ"تيار المستقبل":
الانتخابات والمساومة على المحكمة والعودة من الباب الأمني
يخطئ من يظنّ أن في استطاعة النظام السوري تغيير سلوكه، ليس حيال لبنان فحسب بل حيال كل دولة يرتاب بها، وإذا حصل تغيير فأنه يحصل في الشكل وليس في المضمون، لان هذا النظام نشأ على سلوك معين ويصعب عليه تغييره، ومن يعتقد ان في الاستطاعة تغيير هذا السلوك، فكمن يعتقد بأن العوسج يعطي عنبا والديك يصير دجاجة…
لذلك ترى اوساط سياسية ان اتهامات دمشق لـ"تيار المستقبل" ليست مستغربة، لانها من طبيعة النظام، وقد يكون من الصعب ان يتعايش مع نظام آخر هو نقيضه، على حد قول النائب وليد جنبلاط في احد احاديثه. ففي سوريا يتم توقيف المتهم والمواطن العادي اعتباطيا لسنوات بدون محاكمة، في حين ان ذلك غير مسموح في لبنان، والسلطة الاجرائية في سوريا هي لرئيس الجمهورية في حين ان هذه السلطة في لبنان هي لمجلس الوزراء مجتمعا، ووسائل الاعلام في سوريا هي لسان حال الدولة، اما في لبنان فهي لسان حال احزاب وفئات وتيارات عدة، وهي حرة في انتقاد اهل السلطة، وهذا غير مسموح في سوريا، خصوصا اذا كان هذا الانتقاد يتناول رأس الدولة.
وكما ركّب النظام في سوريا ملف اتهام "تيار المستقبل" فقد سبق له، عندما كان وصياً على لبنان، ان ركب ملفات لسياسيين يناهضونه، فكان ملف للدكتور سمير جعجع أدى به الى السجن، بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة، وكان ملف للعماد ميشال عون بتهمة تعاونه مع اسرائيل عندما كان يسعى لصدور القرار 1559 عن مجلس الامن، وبتهمة اختلاس اموال الدولة، وعندما تبدل موقف العماد عون من سوريا وصار ايجابيا تبخرت كل الاتهامات ضده وطوي الملف بحقه واصبح في نظرها رجلا مناضلا ووطنيا…
وتضيف الاوساط نفسها ان اي اتفاق يعقد بين لبنان وسوريا يبقى تنفيذه رهنا بالمزاج السوري، وعلى طريقة القوي الذي ينفذ الاتفاق كما يريد، ومتى يريد. وهذا ما حصل في الاتفاقات التي لا تحصى المعقودة بين لبنان وسوريا زمن الوصاية، والتي كانت غير متكافئة، لان لبنان لم يكن في ذاك الزمن يملك حرية القرار ولا حرية التصرف، وكانت سوريا تنفّذ من هذه الاتفاقات ما تريد لا ما يريده لبنان. فمعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق التي عقدت بين البلدين في ايار 1991 لم ينفذ منها ما ينص على "ان الترابط بين البلدين يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا وسوريا لأمن لبنان، وعليه فان لبنان لا يسمح بان يكون ممرا او مستقرا لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، وأن سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه، لا تسمح بأي عمل يهدد أمنه واستقلاله وسيادته".
فماذا فعلت سوريا تطبيقا لهذا النص عندما كان لبنان يتعرض لاعمال عنف وتفجيرات واغتيالات؟ هي لم تكن تعتبر يومذاك ان امن لبنان من امنها فتساعد السلطة على منع هذه الاعمال وملاحقة المتهمين بها.
وبعد إقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية وفق ما ورد في اتفاق الطائف ومنذ انتهاء المهل المحددة في هذا الاتفاق لم تنفذ سوريا ما ورد في المعاهدة، اي إعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع.
ونصت "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" على تشكيل المجلس الاعلى اللبناني – السوري من ضمن اللجان التي تقرّر تشكيلها: لجنة شؤون الدفاع والأمن، التي تتألف من وزيري الدفاع والداخلية في كلا الدولتين وتختص "بدراسة الوسائل الكفيلة بالحفاظ على أمن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه اي عدوان أو تهديد لأمنها القومي أو اية اضطرابات تخلّ بالأمن الداخلي لأي من الدولتين". وقد تعرض لبنان لعدوان اسرائيلي في تموز 2006 فلم تحرك سوريا ساكنا، كما تعرض لاضطرابات أخلت بأمنه ولم تقدّم أي مساعدة له.
ومنع اتفاق الدفاع والأمن الذي تم إقراره بتاريخ 17/8/91 "اي نشاط أو عمل أو تنظيم في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من شأنه إلحاق الأذى والإساءة للبلد الآخر، وأن يلتزم كل من الجانبين بعدم تقديم ملجأ أو تسهيل مرور أو توفير حماية للأشخاص والمنظمات الذين يعملون ضد أمن البلد الآخر، وفي حال لجوئهم إليه يلتزم الجانب الآخر القبض عليهم وتسليمهم إلى الجانب الثاني بناء على طلبه".
إن سوريا لم تنفذ شيئاً من كل ذلك، وان الحرب التي خاضها الجيش اللبناني ضد عناصر "فتح الاسلام"، في مخيم نهر البارد كان أكبر دليل على عدم التعاون للقبض على شاكر العبسي ومن معه عندما استطاع الفرار من المخيم.
والسؤال المطروح هو: هل مصير التنسيق الامني بين لبنان وسوريا الذي عاد به الوزير بارود من دمشق سيكون أفضل حالا من مصير التنسيق الذي نصت عليه الاتفاقات المعقودة من سنوات بين البلدين؟ ولماذا لم تطبق سوريا ما نصت عليه هذه الاتفاقات لاسيما ما يتعلق بالاتهامات التي وجهتها الى "تيار المستقبل" وفقا للاصول؟…
الواقع أن سوريا بحسب الأوساط السياسية نفسها تبغي من المضي في سلوكها حيال لبنان بلوغ الآتي:
أولا: العودة إلى فرض وصايتها الأمنية والسياسية على لبنان من خلال احياء الاتفاقات المعقودة سابقا بين الدولتين، ولاسيما "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق"، وقد نصت على انشاء المجلس الاعلى اللبناني – السوري، وعلى اتفاقية الدفاع والأمن توصلاً إلى ضبط الحدود المشتركة، ومكافحة الارهاب واعتبار سوريا نفسها حيال الغرب والشرق ضرورة وحاجة ملحة للقيام بهذا الدور المهم وبإحياء هذه الاتفاقات كي تعطى الاولوية لمكافحة الارهاب وليس لاي موضوع آخر…
ثانيا: جعل امكان حصول مقايضة بين "تيار المستقبل" والنظام السوري بحيث يتخلى النظام عن اتهام هذا التيار بتمويل عناصر فتح الاسلام المسؤولة عن التفجير الاخير في دمشق ويتخلى التيار عن ملاحقة مرتكبي ومخططي تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه أمام المحكمة ذات الطابع الدولي.
ثالثا: تحويل قوى 14 آذار من موقع الهجوم الى موقع الدفاع على ابواب الانتخابات المقبلة تعزيزا لوضع حلفائها من قوى 8 آذار ومحاولة تأمين الفوز لمرشحيها بأكثرية المقاعد، وذلك بتخويف المسيحيين من الاصولية السنية وليس من الاصولية الشيعية، كي ينتقل الحكم اليها، فتعطيها سوريا عندئذ ما لا تعطي الحكم الحالي، سوى تبادل التمثيل الديبلوماسي فقط ريثما تتحول الاكثرية الحالية اقلية…