التعاون والتنسيق الامني مع الاطفائي المهووس
ما كانت الزيارة التي قام بها وزير الداخلية زياد بارود لسوريا للبحث في سبل التعاون والتنسيق الامني، لتكون موضع اخذ ورد في لبنان لولا ان النظام في سوريا اعتاد لعب دور "الاطفائي المهووس" الذي يشعل الحرائق في كل مكان ثم يأتي لانتزاع دور الاطفائي رغبة منه في التغلغل الى صلب الشؤون الداخلية لدور الجوار.
وإذا كانت تركيا إكتشفت عام 1996 افضل السبل للتعامل مع "الاطفائي المهووس" بحشدها اكثر من مئة الف جندي عند الحدود وقطعها لمياه الفرات، وتهديدها بشن حرب واحتلال الشمال السوري وصولا الى حلب.
وإذا كان عراق صدام حسين ارسى معادلة قوية وبسيطة في التعامل مع الاطفائي مفادها ان كل سيارة مفخخة في بغداد تقابلها سيارة مفخخة في قلب دمشق.
وإذا كان الاسرائيليون وضعوا "خطة طريق" عسكرية رداً على تخطيط العمليات من قلب دمشق تقضي تارة بقصف مواقع على مسافة بضعة كيلومترات من دمشق (عين الصاحب)، او بالتحليق على ارتفاع مئتي متر فوق القصر الجمهوري في اللاذقية، او حتى ضرب مشروع مفاعل نووي في دير الزور البعيدة عن الجبهة "الهانئة".
واذا كان الاميركيون بعد طول انتظار فهموا ان الرد على تسهيل النظام السوري دخول المسلحين الى قلب العراق يكون بتنفيذ مطاردات حارة خلف الحدود (عملية البوكمال) بمباركة عراقية سياسية لافتة. فإن بقية الجوار لا يملك ان يتعامل مع الاطفائي المهووس بالعملة نفسها. فالاستقلاليون اللبنانيون لا يريدون ولا يقدرون على مبادلة الاطفائي الاعتداء بالاعتداء، والاغتيال بالاغتيال، والتدخل المخابراتي بالتدخل المخابراتي. من هنا، وعلى رغم معرفة اللبنانيين جميعهم، بمن فيهم "حزب الله" الذي اهتزت ثقته بـ"الاطفائي المهووس" على اثر اغتيال عماد مغنية، في حقيقة الامر، فإن الوسيلة الوحيدة الممكنة لإبعاد ما تيسّر من ضرر واقع في جميع الاحوال تبقى في التعامل المؤسساتي معه على النحو الذي تقرر في مجلس الوزراء، وعلى النحو الذي صار خلال زيارة الوزير بارود.
لكننا نعرف تماما ان احدا في لبنان، ومن ضمنهم الرئيس ميشال سليمان لا يبني آمالا كبيرة على امكان نجاح المسار المؤسساتي مع "الاطفائي المهووس"، فهوية "فتح الاسلام" المخابراتية معروفة، واكثر من يعرفها هو الرئيس سليمان والاجهزة الامنية اللبنانية. كما ان العمل المخابراتي الامني في عمق المجتمع اللبناني قائم على قدم وساق، ومثله التواصل مع قوى سياسية تدين بالولاء للمخابرات السورية اكثر مما تلتفت الى استقلال بلدها وسيادته وكرامته.
فمن لا يعرف المكتب الانتخابي اللبناني في القصر الجمهوري في دمشق، فضلا عن المكتب الاعلامي الذي يعمل فيه مسؤولون لبنانيون سابقون وهو متخصص بفبركة الروايات الاستخبارية في حق الاستقلاليين، سياسيين كانوا ام اعلاميين؟
في ضوء هذه الصورة القاتمة التي لا تبشر في يوم من الايام بقيام علاقات سوية مع هذا "الاطفائي المهووس"، لا يبقى للبنان سوى ان يحافظ على العلاقات الامنية الثنائية في اطارها الاضيق، اي في اطار متابعة ملفات مشتركة، لان التنسيق الامني معناه حكما قيام وصاية امنية مخابراتية على لبنان. والتعاون معناه ان يسود الطرف القوي المُخرب على الطرف الاضعف المسالم.
لماذا نقول هذا الكلام اليوم؟
بكل بساطة لأننا ندرك واقعا ان "الاطفائي المهووس" لم يتغيّر، ولن يتغيّر في مقاربته للعلاقة مع لبنان الاستقلال. يشجعه على مواصلة هذا النهج قبول قوى لبنانية تبعيته، وإن على حساب سلامة البلاد، واستقلالها، وسيادتها، وقرارها الحر. وهذا ما يؤسف له حقيقة.
ان اكثر ما يمكن الحكومة اللبنانية ان تفعله ممثلة بالوزير بارود هو إنشاء لجنة متابعة لا تتمتع بسلطة تنفيذية من خارج اطار المجلس الاعلى السوري – اللبناني، ثم توسيع إطار المتابعة الى لجنة عربية مشتركة يشترك فيها المصريون، والعراقيون، والسعوديون، والاردنيون. اما التسيّب السائد في بعض الاجهزة اللبنانية في تعاملها مع "الاطفائي" من فوق الإطار المؤسسي الرسمي، فمتروك لضمير مرجعيات سياسية جعلت ويا للأسف من التبعية المهينة لنظام الاسد الابن "عملا وطنيا" فأصابت المؤسسات بأعطاب قاتلة، كما أصابت تالياً مستقبل الكيان بأضرار كبيرة جدا.
ان حماية لبنان الحقيقية تأتي من طريق توسيع دائرته العربية، لا من خلال استفراد "الاطفائي المهووس" به! فحذارِ.